جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الشيطان عدو ماكر

الجزء ٣ · صفحة ١٠٣

رأي من عزي إليه هذا الجواب .

وقيل : إنه عليه السلام لما نهي عن الشجرة ظن أن المنهي عنه عين الشجرة المشار إليها فأكل من جنسها لعدم حسبانه أنه ينطوي عليه النهي ؛ وقيل : إن أكله كان في حالة نسيان لنهيه تعالى عن تلك الشجرة ، ولم يقدم على صنيعه هذا في حالة الذكر ، وهذا القول هو أصح الأقوال حسب رأيي لما يعضده من قوله تعالى : ( ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى ولم نجد له عزما ) ( طه : 115) .

وقد يشكل هذا القول إذا ما نُظر إلى ظاهر قوله تعالى : ( وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين . وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ) ( الأعراف : 20، 21)، وقوله سبحانه : ( قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ) ( طه : 120 ) ، فإن ظاهر ما في هذه الآيات أن آدم وزوجه أكلا من تلك الشجرة وهما على ذكر من عهد الله لهما ، ويندرىء هذا الإشكال مع التعويل على الرأي الذي اخترته من قبل، وهو أن إغواء الشيطان لهما كان بمجرد الوسوسة كما يدل عليه قوله عز وجل : ( فوسوس لهما الشيطان … ) ( الأعراف : 20 ) ، وأن ما ذكره تعالى من المقاولة والمقاسمة إنما هو لتصوير تلك الحالة النفسية الكائنة من هذه ا الوسوسة ونتائجها في صورة الجدل المسموع بين مُخادِع ومُخادَع ، فإن نفس المؤمن عندما ينفث فيها الشيطان أمرا لا بد لها من أخذٍ ورد حتى تدركها العناية فتنجو أو تحتاجها الغواية فتردى .

وبيان ذلك أن الشيطان – لعنه الله – ألقى في نفس آدم وحواء عليهما السلام أن تلك الشجرة من أكل منها ظل خالدا في النعيم ، ومن طبيعة النفس الإنسانية حب الخلد وكراهة الفناء ، فلا عجب إذا تعلقا مع ذلك بها لولا أن عهد الله كان يحجزهما عنها ، ثم سعى – لعنه الله – في إنسائهما العهد بما يلقيه في صدورهما من الوساوس التي تشغلهما عنه ، وفي غمرة الغفلة ألجأهما إلى الأكل منها بدافع حبهما للخلد فلم يراعا إلا وقد بدت

٨٨٠ / ١٬٢٢٠