هبوط آدم وحواء إلى الأرض
الجزء ٣ · صفحة ١٠٨اتبع القرآن هذه الطريقة التربوية في أكثر من موضع ، ومن ذلك قوله تعالى : ( يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما ) ( الأعراف : الآية 27 ) .
هذا وقد استدل بأمرهما بالهبوط من قال إنها جنة الخلد – كما سبق ذكره – كما استدل به الجبائي القائل بأنها جنة في السماوات ؛ والذين قالوا إنها كانت في الأرض حملوا هذا الهبوط على الانتقال من مكان إلى آخر كما في قوله تعالى ؛ ( اهبطوا مصر ) ( البقرة : 61 ) .
وقد حشر المفسرون أقوالا متعددة معزوة إلى الأسلاف في تحديد أماكن هبوط كل من آدم وحواء وعدوهما إبليس ، وأضافوا إليهم الحية ، ولست أراها إلا من أكاذيب أهل الكتاب التي علقت بأذهان كثير من المفسرين فشانوا بها جمال التفسير ، وإن زعم بعض المحدثين كالحاكم صحة نسبة بعضها إلى بعض الصحابة .
والأمر بالهبوط موجه – في رأي أكثر المفسرين – إلى آدم وحواء وإبليس ، وعليه فإن العداوة المقصودة هي بين آدم وحواء من جهة وإبليس من جهة أخرى ، وزعم بعضهم دخول الحية معهم ، وأخرج هذا ابن جرير وابن أبي حاتم وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما ، ومما ذكروه أنها كانت ذات قوائم وزينة فسلبها الله قوائمها وزينتها ووحش منظرها بعد أن أعانت إبليس على إغواء آدم ، وجعل بينها وبين الإنسان عداوة مستمرة ، ولا يخفى ما فيه .
والصحيح أن الخطاب لآدم وحواء بدليل ما في سورة طه وهو قوله عز من قائل : ( قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ) ( طه : 123 – 124 ) ، إذ لا يمكن أن يكون الخطاب فيه شاملا لإبليس أو له وللحية مع وروده بصيغة التثنية ، والقرآن يبين بعضه بعضا ، ولا يشكل ورود الخطاب بصيغة الجمع هنا ، وفيما بعد الجملة الأولى من سورة طه لأن الخطاب وإن كان لهما فإنه يشمل بفحواه من