هبوط آدم وحواء إلى الأرض
الجزء ٣ · صفحة ١٠٩يأتي من ذريتهما فالعدول فيه إلى صيغة الجمع إنما هو لهذا الغرض .
أما ما قيل من أن المعدوم لا يخاطب لعدم إمكان أن يعقل الخطاب فهو ليس على إطلاقه ، فقد خاطب الله تعالى جميع الأجيال إلى أن تقوم الساعة بأوامره ونواهيه التي أنزلها في القرآن نحو قوله : ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) ( البقرة : 43 ) ، وقوله : ( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ) ( الأنعام : 151 ) ، وقوله : ( ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا ) ( الإسراء : 32 ) ، وليس من المعقول أن يكون هذا الخطاب
محصورا في الجيل الذي عايش نزول القرآن ، إذ لو كان كذلك لكان لمن يأتي بعده عذر في عدم التقيد بالأوامر
والنواهي لعدم خطابه بها ، والحق أنه لا مانع من خطاب المعدوم مع الموجود إن كان الخطاب صالحا لهما وكان المعدوم امتداد للموجود كما في هذا الخطاب فإن ذرية آدم وحواء ليس وجودهم إلا امتداد لوجودهما ، فأي مانع من دخولهم في عموم الخطاب الموجه إليهما ومراعاة ذلك فيه بحيث يضاغ صيغة الجمع الشاملة لهم جميعا ، ويدل على شمول الخطاب للذرية قوله تعالى في هذه السورة : ( قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) ( البقرة : 38 – 39 ) ، إذ لا يُعقل إلا دخول ذرية آدم في هذا الخطاب وشمول ما فيه ، من وعد ووعيد لهم ، وإني لأعجب ممن ادعى دخول إبليس والحية في هذا الخطاب كيف ذهل عن كون الحية ليست من جنس المكلفين حتى توعد على اتباعها هدى الله وتتوعد على إعراضها عنه ، وأن إبليس لا يمكن أن يكون مقصودا بهذا الخطاب لاستحالة صلاحه وتعذر فلاحه بعدما طرده الله من واسع رحمته وقضى عليه بالشفاء المستمر .
ولا يشكل أمر آدم وحواء بالهبوط من الجنة مع ذريتهما مع عدم وجود الذرية حينئذ ذلك لأنهما عليهما السلام كانا منطويين على عناصر هذه