هبوط آدم وحواء إلى الأرض
الجزء ٣ · صفحة ١١٢ولمن قال إن المستقر في الأرض ليس خاصا بالحياة أن يقول بعموم المتاع لما بعد الموت من دفن الأجساد في باطن الأرض ، فإن في ذلك سترا لها وهو من منافعها ، ويستأنس له بقوله تعالى في سورة الأعراف : ( قال
اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين . قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها
تخرجون ) ( الأعراف : 24 - 25 ) .
والحين الزمن طويلا كان أو قصيرا ولا معنى لتقييده بالطول مع قوله تعالى : ( أو تقول حين ترى العذاب )
( الزمر : 58 ) لجواز إحلال ساعة محله ، ويراد به هنا انتهاء أمد الدنيا ، هذا بالنسبة إلى الجنس فإن الأرض مستقر للجنس البشري إلى انتهاء أمد حياتها أما الأفراد فإن كل فرد انتهاء حينه بابتداء حًينِه ، فبالموت ينقطع أمد استقراره على ظهر الأرض ، واستمتاعه بمنافعها ، هذا كله على القول بأن الاستقرار والمتاع المقصودين هما في حال الحياة لا بعدها .
والتلقي الاستقبال وهو نفعل من اللقاء وصيغته توحي أنه اكتساب اللقاء ، وهو يعني المحاولة للوصول إليه ، فلا يكون إلا في المحبوب بخلاف اللقاء نفسه والملاقاة ، فقد يستعمل في المحبوب وغيره ، يقال لقى فلان
صديقه ولقى عدوه ، ولاقى صديقه ولاقى عدوه ، وذهب بعضهم إلى أن التلقي هنا بمعنى التلقن ، وهو - وإن
صح معنى - لا يصح لغة لأن قلب لام الفعل ياء إنما يصح إذا جانست العين نحو تسرى وتسرر ، وأملي وأملل ،
وتقصي وتقصص ، وتضني وتضنن ، وليس تلقن من هذا الباب ، وقرأ الجمهور : ( فتلقى آدم من ربه كلمات )
( البقرة : 37 ) برفع آدم ونصب (( كلماتٍ )) ، وعكس ابن كثير فنصب آدمَ ، ورفع كلمات ، وانتقد قراءته ابن
جرير جريا على عادته في عدم الاحتراز من انتقاد القراءات المتواترة ؛ وعلى قراءة الجمهور فإن آدم استقبل
الكلمات من ربه إذ ألهمه إياها ، وعلى قراءة ابن كثير فالكلمات هي التي استقبلته استقبال المحب لمحبوبه ،
وهذا من باب المجاز ، والأصل في