الجزاء من جنس العمل
الجزء ٣ · صفحة ١٢٥هو الانتقال من السماء إلى الأرض ، وهو قول مرفوض لأمرين :
أولهما : أن الله تعالى قال إثر الأمر بالهبوط الأول : ( ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ) والمستقر والمتاع إنما هما في الأرض دون السماء .
ثانيهما : أنه تعالى أمرهما هنا بالهبوط منها ، والضمير في منها عائد إلى الجنة قطعا ، لأن الضمائر السابقة
لا تعود إلا إليها ، فلا ينسجم البيان إذا ما فصل هذا الضمير عنها وأعيد إلى السماء على أن السماء لم يسبق لها ذكر حتى يُعاد إليها .
وذهب الفخر الرازي إلى أن إعادة الأمر بالهبوط لأن آدم وحواء تابا بعدما أمرهما الله بالهبوط فوقع في
قلبهما انتساخ هذا الأمر لأنه كان بسبب الزلة وقد محتها التوبة فأعاد الله تعالى الأمر به ليعلم أنه ليس جزاء على ارتكاب الزلة حتى يزول بزوالها وإنما هو لأجل تحقيق ما تقدم من وعده تعالى في قوله للملائكة : ( إني جاعل في الأرض خليفة ) (1) ( البقرة : 30 ) .
ومقتضى رأيه أن الأمر بالهبوط ليس عقوبة على ارتكاب الخطيئة ، وهو يتنافى مع قوله عز وجل لآدم
وحواء تحذيرا من الشيطان : ( فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى ) ( طه : 117 ) فإنه صريح في أن إخراجهما
من الجنة كان بسبب تلبسهما بالخطيئة التي أوقعهما فيها الشيطان ، ولا ينافي ذلك تحقق الوعد الذي وعد الله به ملائكته بنفس هذا الهبوط فإن لله أن يرتب ما شاء من أمره على ما يشاء ، وله تعالى في كل شيء حكمة .
وذهب ابن عاشور إلى أن هذه حكاية أمر ثان لآدم بالهبوط كي لا يظن أن توبة الله عليه ورضاه عنه
عند مبادرته بالتوبة عقب الأمر قد أوجبت العفو عنه من الهبوط من الجنة فأعاد له الأمر بالهبوط بعد قبول توبته ، ليعلم أن ذلك كائن لا محالة لأنه مراد الله تعالى ، وطور من الأطوار التي أرادها الله تعالى من جعله خليفة في الأرض ، وهو ما أخبر به الملائكة ، وفيه إشارة أخرى وهي أن العفو يكون من التائب في الزواجر والعقوبات ، وأما تحقيق آثار