جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

عقاب المنحرفين عن هدى الله

الجزء ٣ · صفحة ١٣٣

عقاب المنحرفين عن هدى الله

وبعد تقرير عاقبة المتبعين لهدى الله بين مآل أضدادهم الذين انحرفوا عن مسلك الهدى واتبعوا طرائق الضلال ، بقوله : ( والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) ( 39 - البقرة ) ، ويُلحظ إفراد الاسم الموصول في معرض الحديث عن المهتدين وجمعه عندما ذكر أعداؤهم الضالون ، والحكمة في ذلك الإيماء إلى قلة المهتدين بجانب الكثرة الكاثرة من الضلال ، وهو الذي يدل عليه قوله تعالى : ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم ) ( ص : 24 )، وقوله : ( وقليل من عبادي الشكور ) ( سبأ : 13 ) .

والكفر هنا إما أن يكون كفرا بالله أو كفرا بآياته وعلى الأول فالمجرور متعلق (( بكذبوا )) ، وهو - على الأخير - متنازع بين (( كفروا )) و (( كذبوا )) ؛ والكفر أعم من التكذيب لأنه يكون بالقلب وباللسان بينما التكذيب من عمل اللسان فالمكذب بلسانه كافر بما كذب به وان صدقه قلبه ، ومن هذا الباب ما وصف الله به فرعون وقومه في قوله : ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا ) ( النمل : 14 ) ، فهم موقنون بصدق آيات الله وإنما دعاهم الظلم والعلو إلى جحدها ، ووصف الله بذلك كفار العرب في قوله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم : ( فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ) ( الأنعام : 33) ، فقد كانوا يكابرون أنفسهم في إنكار ما جاء به عليه أفضل الصلاة والسلام مع إيقانهم بصدقه ، والمصدق بلسانه كافر إن لم يعتقد في قلبه صدق ما أقر لسانه بتصديقه ، ومن هذا الباب كفر المنافقين الذين يدعون الإيمان بألسنتهم وقلوبهم فارغة منه ، كما أخبر الله عنهم أنهم يقولون : ( آمنا بالله وباليوم الآخر ) ، ويقولون : ( نشهد إنك لرسول الله ) ( المنافقون : 1 ) ، وهم في كل ذلك كاذبون .

وقد سبق بيان معنى الكفر وانقسامه إلى كفر شرك وكفر

٩١٠ / ١٬٢٢٠