المراد بالهدى بعد الهبوط
الجزء ٣ · صفحة ١٢٨تعبد الله به خلقه ، فإن المتمسك به آخذ بحجرة هدى الله ، ومستمسك بالعروة الوثقى منه ، والمفرط فيه
أصفر الكفين من كل خير ، وانتظام حياة الفرد والمجتمع تتوقف عليه ، فللنفس الإنسانية مطالب شتى ، منها
روحية ومنها جسدية ، ومنها قلبية ومنها عقلية ، والتأليف بين هذه الجوانب ، والتنسيق بين هذه المطالب لا
يتم إلا بعقيدة روحية يسري أثرها على كل شيء في الإنسان ، ومصالح أفراد هذا الجنس متشابكة وشؤونهم
متداخلة ، فإذا لم يهيمن عليهم وازع من الدين أدى بهم الأمر إلى النزاع والشقاق ، والتدافع والتنافر ، ومن هنا كان الدين ضروريا للسعادة والنظام ، إذ العقل وحده لا يكفي لأن يسد مسده ، فإن العقول متباينة باختلاف المؤثرات النفسية والاجتماعية على أصحابها ، فالتربية والتثقيف ، والبيئة والمحيط لها أثر في تكوين الفكر
وتوجيه العقل ، بينما الدين فوق ذلك كله لأنه تنزيل من حكيم حميد يخضع له العقل والقلب ، ويستسلم له الروح والجسد .
وقد يتصور عبيد الشهوات أن في الدين حرمانا بسبب ردعه للإنسان عن الانطلاق وراء شهواته، والواقع
أن تلك هي السعادة المطلوبة والغاية المحبوبة ، فإن الإنسان إذا أطلق له العنان فاتبع هواه كان ذلك أخطر العوامل في تدمير الفرد والمجتمع ، فقد تقوده شهواته إلى ما فيه هلاك نفسه ، وفساد مجتمعه ، والله لم يحرم في دينه شيئا إلا لما علمه من مصلحة لعباده في هذا التحريم ، خفية كانت أم ظاهرة ، عاجلة أم آجلة، وكفى سعادة أن يفوز الإنسان برضوان الله وما يترتب عليه من حياة الخلد والنعيم المقيم ( في مقعد صدق عند مليك مقتدر )( القمر : 55) في مقابل قيد نفسه عن بعض شهواتها في فترة قصيرة لا توازي شيئا بجانب حياة الأبد ،
ومن هنا كان تغابن الناس الحقيقي بحسب اختلاف حظهم من التمسك بالدين فهم وإن تفاوتوا في الغنى والفقر ، وفي الراحة والبؤس ، وفي طول الأعمار وقصرها ، وفي امتداد الأفكار وانحصارها ، وفي