جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

المراد بالهدى بعد الهبوط

الجزء ٣ · صفحة ١٢٨

تعبد الله به خلقه ، فإن المتمسك به آخذ بحجرة هدى الله ، ومستمسك بالعروة الوثقى منه ، والمفرط فيه

أصفر الكفين من كل خير ، وانتظام حياة الفرد والمجتمع تتوقف عليه ، فللنفس الإنسانية مطالب شتى ، منها

روحية ومنها جسدية ، ومنها قلبية ومنها عقلية ، والتأليف بين هذه الجوانب ، والتنسيق بين هذه المطالب لا

يتم إلا بعقيدة روحية يسري أثرها على كل شيء في الإنسان ، ومصالح أفراد هذا الجنس متشابكة وشؤونهم

متداخلة ، فإذا لم يهيمن عليهم وازع من الدين أدى بهم الأمر إلى النزاع والشقاق ، والتدافع والتنافر ، ومن هنا كان الدين ضروريا للسعادة والنظام ، إذ العقل وحده لا يكفي لأن يسد مسده ، فإن العقول متباينة باختلاف المؤثرات النفسية والاجتماعية على أصحابها ، فالتربية والتثقيف ، والبيئة والمحيط لها أثر في تكوين الفكر

وتوجيه العقل ، بينما الدين فوق ذلك كله لأنه تنزيل من حكيم حميد يخضع له العقل والقلب ، ويستسلم له الروح والجسد .

وقد يتصور عبيد الشهوات أن في الدين حرمانا بسبب ردعه للإنسان عن الانطلاق وراء شهواته، والواقع

أن تلك هي السعادة المطلوبة والغاية المحبوبة ، فإن الإنسان إذا أطلق له العنان فاتبع هواه كان ذلك أخطر العوامل في تدمير الفرد والمجتمع ، فقد تقوده شهواته إلى ما فيه هلاك نفسه ، وفساد مجتمعه ، والله لم يحرم في دينه شيئا إلا لما علمه من مصلحة لعباده في هذا التحريم ، خفية كانت أم ظاهرة ، عاجلة أم آجلة، وكفى سعادة أن يفوز الإنسان برضوان الله وما يترتب عليه من حياة الخلد والنعيم المقيم ( في مقعد صدق عند مليك مقتدر )( القمر : 55) في مقابل قيد نفسه عن بعض شهواتها في فترة قصيرة لا توازي شيئا بجانب حياة الأبد ،

ومن هنا كان تغابن الناس الحقيقي بحسب اختلاف حظهم من التمسك بالدين فهم وإن تفاوتوا في الغنى والفقر ، وفي الراحة والبؤس ، وفي طول الأعمار وقصرها ، وفي امتداد الأفكار وانحصارها ، وفي

٩٠٥ / ١٬٢٢٠