التناسب بين آيات القرآن وسوره
الجزء ٣ · صفحة ١٤٠وجعل مثله مثل الذي يُعنى بكلام بليغ من البلغاء فيحاول إيجاد التناسب بين خطبه التي ألقاها في مقامات مختلفة ، ولأغراض متباينة ، ورسائله التي أنشأها لأسباب شتى ، أو إلى شعر شاعر فيجتهد في البحث عن المناسبة بين قصائده التي تكون تارة مدحا ، وتارة هجاء ، وحينا نسيبا ، وحينا رثاء ، وإذا كان طالب ذلك في كلام البشر يعد راكبا
للأحموقة فأجدر من طلبه في كلام الله أنزله بلسان عربي مبين، لم يخرج به عن مسالكهم، ولم يتجاوز أساليبهم(1) .
وذهب آخرون إلى القول بالتناسب ، وقد عُنوا عناية فائقة ببحثه حتى أن منهم من أفرد هذا الموضوع
بالتأليف كالعلامة برهان الدين البقاعي الذي ألف في ذلك كتابا سماه (( نظم الدرر في تناسب الآي والسور ))
وقد سلك هذا المسلك غير واحد من المحققين ، منهم الإمام ابن العربي الذي ذكر أنه عُني بشرح التناسب بين
آي القرآن في تفسير كبير له لم يجد له أهلا فطواه عن الناس ، والفخر الرازي في مفاتيح الغيب ، وأبو حيان في البحر المحيط ، والإمامان محمد عبده ، ومحمد رشيد رضا في المنار ، والإمام ابن عاشور في التحرير والتنوير ، وقد اختلف هؤلاء هل التناسب بين آيات كل سورة ، أو أنه حتى بين السور نفسها بحيث تكون فاتحة كل سورة مرتبطة بخاتمة ما قبلها ؟ وهذا هو الذي درج عليه البقاعي ، وبه قال أبو حيان ناقلا له عن أحد شيوخه في تفسيره لأول البقرة ، وهو الذي يفهم مما ذكرته عن شيخنا العلامة الإمام أبي إسحاق اطفيش – رحمه الله – في تفسير فواتح السور ؛ وممن قال بالتناسب بين آيات السورة من غير تعرض لتناسب السور نفسها الإمام ابن عاشور في التحرير والتنوير .
وقد أضاف بعض المتأخرين – كالعلامة الدكتور محمد عبدالله دراز في كتابه النبأ العظيم – إلى التناسب
ما هو أدق منه وهو النظام بحيث تكون كل آية ليست مرتبطة بما قبلها وما بعدها فحسب ، وإنما هي وقعت في
مكانها الملائم بحيث يتخلخل البيان لو أنها قدمت