التناسب بين آيات القرآن وسوره
الجزء ٣ · صفحة ١٣٩التناسب بين آيات القرآن وسوره
وقد يعرض هنا تساؤل عن وجود مناسبة رابطة بين ما تقدم من قصة آدم ، وهذا الخطاب الموجه إلى بني
إسرائيل .
وجوابه أن العلماء مختلفون في وجود التناسب بين آيات القرآن وسوره ، وفي أجداء البحث عن ذلك ،
لأن القرآن نزل في ظروف مختلفة ، ولأغراض شتى في أزمنة متطاولة ، فقد نزل في ظرف ثلاث وعشرين سنة ، منه ما نزل في السلم ، ومنه ما نزل في الحرب ، ومنه ما نزل في الحضر ومنه ما نزل في السفر ، ومنه ما نزل في حال ضعف المسلمين ، ومنه ما نزل بعد قوتهم ، ومنه ما كان أمرا ونهيا ، ومنه ما جاء تبشيرا وإنذارا، ومنه ما هو ناسخ ، ومنه ما هو تقرير ، ومنها ما هو قصص وأخبار ، إلى غيرها من الأغراض التي نزل لأجلها ، ولم يراع في ترتيب سوره وآياته ترتب نزوله ، ولا ترتب هذه الأغراض ، فرأت طائفة تعذر وجود التناسب مع ذلك ، وعدوا طلبه من باب طلب المناسبة بين الضب والنون ، والماء والنار ، والملاح والحادي ، ومن أصحاب هذا الرأي الإمام الشوكاني في فتح القدير .
وقد بالغ في الإنكار على القائلين بالتناسب بين آيات القرآن جميعها حتى عد ذلك فتحا لأبواب الشك ، وتوسيعا لدائرة الريب على من في قلبه مرض أو كان مرضه مجرد الجهل والقصور، وعلل ذلك بأن هذا الجاهل إذ وجد أهل العلم يتكلمون في التناسب بين جميع آي القرآن ، ويفردون ذلك بالتصنيف تقرر عنده أن هذا أمر لا بد منه وأن القرآن لا يكون بليغا معجزا إلا إذا ظهر الوجه المقتضي للمناسبة ، وتبين الأمر الموجب للارتباط ، فإن وجد الاختلاف بين الآيات فرجع إلى ما قاله المتكلمون في ذلك فوجده تكلفا محضا، وتعسفا بينا انقدح في قلبه ما كان عنه في عافية وسلامة ، وعد الشوكاني الاشتغال بأمثال هذه البحوث تضييعا للأوقات ، وإنفاقا للساعات في أمر لا يعود بنفع على فاعله ، ولا على من يقف عليه من الناس ،