علماء الأمة أحق بالاتباع
الجزء ٣ · صفحة ١٥١علماء الأمة أحق بالاتباع
وليس هذا النهي خاصا ببني إسرائيل وإن كان الخطاب موجها إليهم ، فعلماء هذه الأمة مطالبون كذلك بأن لا
يشتروا بآيات الله ثمنا قليلا ، بل هم أحق بهذه المطالبة لأنهم شهداء على الناس ، كما أن النبي صلى الله عليه
وسلم شهيد عليهم ، وقد أكرموا بإنزال الكتاب المعجز الخالد المهيمن على ما قبله من كتاب على نبيهم صلوات الله وسلامه عليه ، فكل منهم ضليع بأمانة هذا الكتاب ومسئول عن القيام بأداء رسالته والمحافظة عليه ، وأن يكون ذلك خالصا لوجه الله سبحانه ، وهو يعني أنهم مطالبون بأن يكونوا مخلصين في العلم والعمل معا ، ولا يجتمع ذلك مع اتخاذ الكتاب وما فيه وسيلة لغرض شخصي ومنفعة عاجلة ، وقد شدد العلماء في أخذ الأجرة على تعليم القرآن ، بل شددوا كذلك في أخذها على تعليم العلم ، وعدوا ذلك من اشتراء الثمن القليل بآيات الله ، وقد كانت هذه هي طريقة السلف غير أن من جاء بعدهم من الأخلاف رأوا أن هذا التشديد يفضي إلى تعطيل تعليم القرآن وتعليم العلم لاستلزامها تفرغ من يقوم بهما من الأعمال، فلذلك ترخصوا في أخذ الأجرة عليهما بالمعروف . والتشديد أولى في أخذ الأجور على العبادات كالأذان والإمامة لا سيما الإمامة في الفروض ، وقد كان السلف حريصين على أن يكون أعمالهم خالصة لوجه الله لا يشوبها قصد منفعة مادية ولا معنوية ، وإنما تطلع الناس إلى الدنيا وكثرة اشتغالهم بها وتهاونهم بأمر الدين أفضت بهم إلى عدم المبالاة فتهافتوا على الأجور على العبادات حتى قل من يداوم على الأذان أو الإمامة من غير أن يكون له على ذلك أجر ، وأفضى الحال ببعضهم إلى رفض الإمامة أو الأذان إذا علم بانقطاع المدد أو لم يكن مستوثقا من استمراره ، وهذا إن دل على شيء فإنما دلالته على ضعف الوازع الديني ، وانحسار مد الإيمان ، فعلى الناس أن يراجعوا نفوسهم ويدركوا
أن الدين ليس يصح اتخاذه وسيلة للدنيا ، فهو أجل من ذلك ، بل يجب أن تكون الدنيا سخرة لأجله .