التناسب بين آيات القرآن وسوره
الجزء ٣ · صفحة ١٤١عليه أو أخرت عنه .
وهؤلاء جميعا بنوا آراءهم على أن ترتيب القرآن توقيفي كما يفهم من بعض الروايات ، وأنه كان مرتبا
قبل نزوله وإنما كان ينزل منه على النبي صلى الله عليه وسلم بحسب الوقائع والأحداث ، ومثل ذلك – ولله المثل الأعلى – مثل القصيدة الواحدة المشتملة على معان شتى ، وأغراض متعددة غير أنها تلاحمت ألفاظها بترابط معانيها ، ويمكن الاستشهاد ببيت أو شطر منها فيما يلائمه من المقامات . وأرى أن التناسب بين آي القرآن أمر لا ينبغي إنكاره ، فهو مائل جلي لأولي البصائر ، وإنما يجب على من بحث فيه أن يقنع بما انكشف منه له ، وأن يقف عما غمض عليه ، ( وفوق كل ذي علم عليم) (يوسف: 76) ، والتكلف فوق ما يسنح للفهم هو الذي لا يُحمد وبحسبنا أن نعتقد أن القرآن أبلغ ما وصل إلى الأسماع ووعته الألباب ، وأن لطائف تعبيره أكثر من أن تحويها الأفهام ، فإذا ما اتضح لنا تناسب بين بعض آياته أو أكثرها ولم يتضح لنا في البعض فما علينا إلا أن نقف عند حد ما وصلت إليه أفهامنا ، وأن لا نتجاوز ذلك إلى تحمل ما لم نحمله ، وادعاء ما لا نعلمه .
وإذا أدركتم ذلك اتضح لكم أن القائلين بعدم تناسب كل ما في القرآن لا يُعنون بالنظر في وجه الربط ما بين
هذا الخطاب الموجه إلى بني إسرائيل والقصة التي قبله ، أ ما القائلون بالتناسب فلم يألوا جهدا في بيان وجه
ذلك ، وأظهر الوجوه هو أن الله تعالى دعا الناس أولا إلى عبادته في قوله : ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم ) .. ألخ ، وذكرهم نعمته عليهم ولفت أنظارهم إلى آياته في خلقهم وخلق ما حولهم ، وبين لهم آية صدق نبيه عليه
أفضل الصلاة والسلام ، الذي بعثه إليهم ، وقرن تبشير الذين آمنوا بوعيد الذين كفروا ، وكشف عن حالة كل
طائفة في تلقي ما يأتي من قبله من الأمثال ، ونعى عليهم كفرهم به مع سبحهم في خضم نعمه وإشراق آياته في كل شيء ، ثم أورد عليهم قصة أصل البشر وأنهاها ببيان مصيرهم في دار الجزاء