مطالبة بني إسرائيل بالإيمان بالقرآن
الجزء ٣ · صفحة ١٤٧مطالبة بني إسرائيل بالإيمان بالقرآن
ثم أمرهم بأن يؤمنوا بما أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم مصدقا لما معهم ، ويراد به القرآن كما يراد بما
معهم التوراة والإنجيل وغيرهما من صحف أنبياء بني إسرائيل ، ومن المعروف أنهم شوهوها جميعا بما أضافوا إليها من الأكاذيب وألصقوه بها من التأويلات الفاسدة غير أنهم كانوا لا يزالون يحتفظون بشيء من نصوصها غير محرف ولا مبدل وإن اختلط بالأكاذيب المفتراة التي أدخلوها فيها ، ومن ذلك ما دل على توحيد الله عز وجل وعلى التبشير ببعثة خاتم النبيين وعلى مكارم الأخلاق ، وقد جاء القرآن الكريم مصدقا لذلك مع تفنيده لكثير من مزاعمهم وتبيينه كثيرا مما أخفوه من محتويات كتبهم ، وبشائر بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بينة في تلك الصحف رغم ما تراكم عليها من غبار الأباطيل الذي أخذ يستر كثيرا مما فيها من الحقائق بتضاعفه عبر العصور ، وسوف أذكر إن شاء الله جانبا من نصوص هذه البشائر في الموضع المناسب من التفسير .
وبعد مطالبتهم بالإيمان بما أنزل حذرهم من الكفر بقوله : ( ولا تكونوا أول كافر به ) وذلك لتأكيد هذه
المطالبة ، فإن مما تقرر عند أكثر الأصوليين أن الأمر المطلق لا يدل على الفور لا على التراخي ، وقد يتعلل إذا ما أمر بأمر لم يقيد بالفورية ولا بزمن معين بأنه سيأتي بالمأمور به ولو بعد حين ، فاستؤصلت شبهة الاعتذار عندهم بالنص على نهيهم عن ضد ما أمروا به ، والنهي يقتضي الفورية ، وعموم الأزمان والأحوال إذ لو أتى المنهى في أي وقت بما نهى عنه لعد ذلك خروجا عن طاعة الناهي وتحديا له ، ويبحث هنا في أمرين :
أولهما : أنهم نُهوا أن يكونوا أول كافر به ولم يُنهوا عن مطلق الكفر به ، وقد يُظن من ذلك أنهم إذا كانوا مسبوقين بالكفر من قيل غيرهم فهم فيهم معذورون .
ثانيهما : أنهم لم يكونوا أول كافر بما أنزل على محمد