جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

مطالبة بني إسرائيل بالإيمان بالقرآن

الجزء ٣ · صفحة ١٤٨

صلى الله عليه وسلم فقد سبقهم إلى ذلك كفار العرب من قريش وغيرهم .

وأجيب عنهما بالعديد من الأجوبة ، منها : أن المراد بقوله : ( ولا تكونوا أول كافر به ) تأكيد حثهم على السبق إلى الإيمان فإن الإيمان والكفر نقيضان ، فإذا لم يكونوا كافرين كانوا مؤمنين ، وقد دلت قرائن السياق على أن مطلق الكفر قبيح ولا يصح إقراره خصوصا عند من توفرت لديه دواعي الإيمان كبني إسرائيل ، الذين أوتوا نصيبا من الكتاب وكانوا يعرفون نعوت النبي الموعود به ويتطلعون إلى بعثته بكل لهفة وشوق ، فهم أحق - لما اختصوا به – أن يكونوا سابقين إلى الإيمان به فور ما يصل إليهم علمه ، وهذا من باب ما يسمى بالكناية التلويحية ، وذلك لانطواء التركيب على غرضين ، النهي عن الكفر والدعوة إلى الإيمان ، إذ الجملة المعطوفة مقررة لمضمون الجملة المعطوفة عليها وهو طلب الإيمان بجانب مدلولها الصريح وهو النهي عن الكفر .

ومنها أنه يراد به التعريض بكفار قريش وغيرهم ممن بادر الدعوة بالتكذيب ، ومعنى ذلك نهيهم أن يكونوا

في عدادهم ، وسوغ ابن عاشور أن يكون هذا هو مراد الزمخشري في تسويغه كون المعنى (( ولا تكونوا مثل أول كافر به )) .

ومنها أنه أريد به النهي عن مبادرتهم بالتكذيب والكفر ، لأن الأولية من لوازمها السبق إلى الشيء كما في قوله تعالى : ( قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ) ( الزخرف : 81 ) وعليه فالأولية ليست على حقيقتها، ونهيهم عن المبادرة إلى الكفر به يستدعي تأملهم فيه لأنهم لو تأملوه لأدركوا حقه بما سبق عندهم من علم الكتاب .

ومنها أن الأولية على حقيقتها وإنما نهوا أن يكونوا أول من يكفر من أهل الكتاب أو بعد الهجرة ، لأن السورة أول ما نزل في المدينة .

وأقوى هذه الأجوبة أولها ، ولا بأس بثالثها ، لما عهد في الكلام البليغ من استعمال هذا الأسلوب للغرض المشار إليه فيه ، والضمير في (( به )) عائد إلى الموصول في قوله : ( ما أنزلت ) وأجيز

٩٢٥ / ١٬٢٢٠