مطالبة بني إسرائيل بالإيمان بالقرآن
الجزء ٣ · صفحة ١٤٩عوده إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى الموصول في قوله : ( لما معكم ) ، والوجه الأول هو الصحيح لعدم سبق ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ، ولأن الكلام سيق لأجل ما أنزل إليه وهو القرآن لا لأجل ما معهم ، وإن كان كفرهم بهذا المنزل يعد كفرا بما معهم لأنه مصدق له ، فمحافظتهم على التصديق بما معهم تقتضي الإيمان بما أنزل إليه صلوات الله
وسلامه عليه .
وقد سبق ذكر الإشتراء وإنما يعرض سؤالان في قوله : ( ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ) : -
أولهما : أن الأصل في البيع والشراء دخول الباء على الثمن دون المثمن ، لأن المثمن هو الغاية والثمن
وسيلة إليه ، ومن شأن الباء أن تدخل على الآلة ، كقول القائل ذبحت بالسكين ، وكتبت بالقلم ، واشتريت
بالدراهم والدنانير .
ثانيهما : تسمية ما يأخذونه في مقابل الآيات ثمنا مع كونه المقصود الحقيقي عندهم ، فيناسبه أن يكون
مثمنا .
والجواب عن الأول أن إدخال الباء على الآيات لأنهم – لحماقتهم – عدوا الآيات أهون العوضين ، فاتخذوها
وسيلة لما يطمحون إليه من مكاسب الدنيا ، سواء كانت أموالا يقتنونها أو مناصب يتبوأونها ، وعن الثاني أن تسمية ما يأخذونه في مقابل الآيات ثمنا للتعريض بهم أنهم مغبونو الصفقة فقد بذلوا النفيس وأخذوا الرخيص ،
فالمال والجاه ومناصب الدنيا كل منها متاع فان وعارية مستردة ، ويشترك فيها الناس أبرار كانوا أو فجارا، أماآيات الله فهي الكنز الذي لا يفنى والثروة التي لا تبلى إذا ما حوفظ عليها بالإيمان والعمل ، ولذلك وُصف الثمن بالقلة ولا يستدل بذلك على جواز أخذ الثمن الكثير في مقابل آيات الله ، فإن الدنيا بأسرها قليلة مهينة إذا ما قيست بجانب هدى الله ، أو بجانب نعيم الآخرة ، فقد قال أصدق القائلين : ( فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل ) ( التوبة : 38 ) ، فلو كانت الدنيا تبرا والآخرة ترابا لما كانت الدنيا – مع فنائها – شيئا يذكر بجانب الآخرة
التي لا انصرام لها ، فكيف والدنيا نفسها أهون من التراب والآخرة أغلى من التبر .