1
الجزء ٧ · صفحة ٢٢٨وفى رواية أن الآنية كانت ثلاثة والثالث فيه ماء ، وأن جبريل قال له : لو شربت الماء لغرقت أمتك . وفى رواية أن أحد الآنية التى عرضت عليه فيه عسل بدل الماء ، وأن جبريل قال له : لو شربت العسل لهلكت أمتك بحب الدنيا ، ويجمع بين ذلك بان يكون بعض الرواة اقتصر على إِناءين وأن يكون أحد الثلاثة كان فيه عسل ، ثم جعل فيه الماء أو مزج العسل به وغلب الماء على العسل أو تكون الأَوانى أربعة ، وبعض الرواة اقتصر وبعض وفىَّ ، روى أنه شرب من العسل قليلا . وروى أنه شرب من الماء قليلا ، فمعنى لو شربت لورويت ، والخمر التى أتى بها هى من خمر الجنة كما جزم به اللقانى وإِنما تجنبها لشبهها بخمر الدنيا التى ستحرم ويكون ذلك ابلغ فى الورع وأدق لأَنه ترك ما يشابه ما سيحرم ، وأراد بالفطرة اللبن سهلا طيباً طاهراً سائغاً للشاربين سليم العاقبة ، أو المعنى اخترت اللبن الذى عليه تنبت الخلقة وبه نبت اللحم ونشر العظم أو اخترت اللبن الذى عليه تنبت الخلقة وبه نبت اللحم ونشر العظم أو اخترته لأَنه الحلال الدائم فى دين الإِسلام بخلاف الخمر فستحرم وهى أم الخبائث جالبة لأَنواع الشر حالا ومثالا ، وبما ذكرته أولا قال النووى ، وقال القرطبى : يحتمل أنه سمى اللبن قطرة لأَنه أول شئ يدخل جوف المولود ويشق أمعاءه والسر فى ميله - A - إِليه كونه مألوفا له ، وترد القريبى القرطبى والغيطى فى كون تلك الخمر من الجنة أو لا فعلى أنها منها توقاها لمشابهة الخمر التى ستحرم وهى خمر الدنيا ، حرمت فى المدينة وعلى أنها من الدنيا فتوقاها تورعاً وتعريضاً بأَنها ستحرم ولما وافق الصواب قال له جبريل : أصبت الفطرة ، وروى : أصبت أصاب الله بك ، قال ابن المنير : اتخذ شراباً حلالا ولو ماء وضاهى به الخمر فى الصورة وهيأَهُ بالهيئة التى يتعاطاها أهل الشهوات فى اجتماع وآلات فقد أتى منكراً ولا يجد وقد ذكر مثل ذلك صاحب المعلقات وهو من أصحابنا الأَباضية لكنه مجهول فالتحقيق أن ماء البن بلام واحدة وباء مضمومة ونون مشددة المسمى بالقهوة يحرم من حيث تسميته بالخمر وهى لفظ القهوة والاجتماع عليه بهيئة مخصوصة وآلة ، فإِن لم يكن ذلك لم يحرم ولو سماه شاربه الخمر قهوة مع أن القهوة من أسماء الخمر إِذا لم يعرف معنى هذا الاسم أو عرف ولكن لم ينو المضاهاة ، وعن بعض أنه أتى بإِناء خمر وإِناء لبن عبد ما خرج من المسجد ولم يذكر ثالثاً . وروى شداد وأوس أنه أتى بإِناء لبن وإِناء عسل فأخذ العسل بهداية الله فقال جبريل للملك الذى ناوله أخذ صاحبك الفطرة ، وذكر ابن كثير وغيره أنه أتى بالأَوانى أيضاً عند سدرة المنتهى ، قال جبريل أيضاً : أصبت الفطرة للتأْكيد والتحذير فيما سواه ثم أتى بالمعراج الذى تصعد عليه أرواح بنى آدم غير المشركين مع الملائكة بعد قبضها حتى تأْتى الدار البيضاء تحت العرش فتسجد ثم تؤمر بالرجوع حتى تحضر الدفن وما يفعل بجسدها ولم تر الخلائق أحسن من المعراج يراه المحتضر له مرقاة من فضة ومرقاة من ذهب أحد جانبيه ياقوتة حمراء والآخر زمردة خضراء ، وهو من جنة الفردوس منضد باللؤلؤ ، عن يمينه ملائكة وعن يساره ملائكة ليصعد عليه رسول الله - A - مع جبريل عليه السلام إِلى السماوات ليرى فيهن قدرة الله وآياته كما قال ﴿ لِنُرِيهُ ﴾ وقرأ الحسن ليريه بالتحتية التفاتاً عن قوله باركنا ، وقال أيضاً بعد أنه هو والالتفات من طريق البلاغة ، ﴿ مِنْ آيَاتِنَا ﴾ فى السماوات فإِنما أسرى به إِلى بيت المقدس ليسرى منه إِلى السماوات فيرى الآيات وقد رأى آيات عظاماً سأَذكرها إِن شاء الله لك ، وهى أعظم وأكثر مما رأى إِبراهيم الخليل عليه السلام ، ولو ذكرت بمن التبعضية لأَن إِبراهيم رأى ملكوت السماوات والأَرض وهى بعض الآيات ، وآيات الله أعم رؤيا منها أكثر مما رأى إِبراهيم ويحتمل أن يراد لنريه من آياتنا فى طريقه إِلى المسجد الأَقصى وفى طريقه إِلى السماوات ، وذلك كله فى ليلة واحدة على الراجح وبما قررت به الآية يعلم بطلان استدلال بعض ، على أن المعراج كان فى ليلة غير ليلة الإِسرى إِلى المسجد الأَقصى بالآية ، لأَن الإِسراء إِلى السماوات لم يذكر هنا وإِنما قدم الإِسرى إِليه على المعراج ليعرج منه مستويا وقصداً لتفاؤته بالاستقامة وفى رؤيته بيت المقدس مطلقاً فوائد منها : إِظهار الحق على من عاند لأَنه لو عرج به إِلى السماء من مكة ولم ير المقدس فى ذهابه ولا رجوعه لم يجد لرد معاندتهم سبيلا إِلى البيان والإِيضاح وقد سألوه عن أشياء من بيت المقدس كانوا رأوها فأخبرهم بما يصدقونه ، فيلزم أن يصدقوه فى بقية ما ذكر من العروج ومنها أن يرى القبلة التى صلى إِليها زماناً كما عرف الكعبة التى صلى إِليها ومنها أن المسجد الأقصى مجمع أرواح الأَنبياء عليهم السلام فراد أن يشرفهم بزيارته - A - ولما ارتقى هو وجبريل على المرقاة الأُولى ارتفعت بهما خمسمائة عام تنحط الدرجة كالجمل المبرك فيصعد عليها ولى الله ثم ترتفع إِلى مكانها والظاهر أنهُ سلم واحد خرق السماوات السبع من الأَرض لا سبع سلالم لكل سماء سلم ، وفى كلام بعض ما يدل على أنه ارتقى على البراق والمشهور ما ذكرته ، ورأيت فى كلام البخارى نصاً عن أنس أنه ارتقى على البراق وهو حسن ولو اشتهى أنه ارتقى على السلم ، ولما ارتقيا بلغا بابا من أبواب السماء الدنيا يقال له باب الحفظة عليه ملائكة يحفظون السماوات من الشياطين لا يسمعون إِلى الملأَ الأَعلى ويحفظون الوحى النازل عليه - A ولكل أمة باب فى السماء الأُولى وقيل لكل شخص بابان ، باب ينزل منه رزقه وباب يصعد منه عمله ، وقيل للسماء باب واحد ينزل منه الرزق وتصعد منه الأَعمال ، وعليه فالجمع باعتبار تعدد الأمور الصاعدة منه والنازلة وعلى هذه السماء ملك يسكن الهواء أسلفها قريباً منها هو خازنها وقائمها ، ويسمى إِسماعيل أى مطيع الله لم يصعد إِلى السماء بالدخول فيها قط وقيل يدخلها ولا يصعد إِلى الثانية ولم يهبط إِلى الأَرض قط إلا يوم مات النبى - A - فإِنه نزل مع ملك الموت ثم رجع وذكروا أن بين يديه فى خدمته سبعين ألف ملك ، وعن أبى سعيد اثنا عشر ألف ملك ، ألف ملك جند كل ملك مائة ألف ملك ، فاستفتح جبريل باب السماء بالقرع وكان صوته معروفاً ولكونه بالقرع قيل من هذا وإِنما لم يفتح قبل مجئ رسول الله - A - مع أنه أبلغ فى الكرامة ليلم أن الفتح لأجله ولإِطاعه على أنه معروف عند أهل السماء ، بدليل قولهم أبعث إِليه ولم يقولوا ومن محمد وكذلك فى كل سماء ولما استفتح قال له أهل السماء : من هذا .