فصل في الكبر والرياء وبغض الكفر وأهله
الجزء ٣٢ · صفحة ٥٥وَالْحَاجَةِ وَنَحْوِهَا وَغَيْرُهُ كُلُّهُ رِيَاءٌ ، وَإِنْ كَانَ إعْلَامُ الْغَيْرِ بَاعِثًا عَلَى مُجَرَّدِ الْإِظْهَارِ لِلِاقْتِدَاءِ وَنَحْوِهِ مِنْ النِّيَّاتِ الصَّالِحَاتِ لَا عَلَى نَفْسِ الْعَمَلِ فَلَيْسَ بِرِئَاءٍ فَإِنَّ الرِّئَاءَ يُسْتَعْمَلُ لِجَلْبِ الْجَاهِ وَاسْتِعْمَالُ الْقُلُوبِ إمَّا لِذَاتِهِ وَإِمَّا لِلتَّوَسُّلِ بِهِ إلَى مَعْصِيَةٍ أَوْ مُبَاحٍ أَوْ طَاعَةٍ فِي اعْتِقَادِهِ ، وَقَدْ تَكُونُ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ أَغْرَاضًا مِنْ الرِّيَاءِ بِغَيْرِ تَوَسُّطٍ فَتِلْكَ أَرْبَعَةٌ أَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ قَصْدُ الْجَاهِ بِالذَّاتِ فَكَمَنْ يَقْصِدُ بِعِبَادَتِهِ أَنْ يَشْتَهِرَ بِالزُّهْدِ وَالْإِرْشَادِ وَكَثْرَةِ الْمَرِيدِينَ وَالْأَحْبَابِ ، وَكَمَنْ يَمْشِي فَيَطْلُعُ عَلَيْهِ النَّاسُ فَيَتْرُكُ الْعَجَلَةَ كَيْ لَا يُقَالَ إنَّهُ مِنْ أَهْلِ اللَّهْوِ وَالسَّهْوِ لَا مِنْ أَهْلِ الْوَقَارِ ، وَكَمَنْ يُكَلِّفُ نَفْسَهُ الْمُسِيئَةَ الْحَسَنَةَ فِي الْخَلْوَةِ حَتَّى إذَا رَآهُ النَّاسُ لَمْ يَحْتَجْ أَنْ يُخَالِفَ حَالَ الْخَلْوَةِ يَظُنُّ أَنَّهُ تَخَلَّصَ بِذَلِكَ مِنْ الرِّئَاءِ وَقَدْ تَضَاعَفَ بِهِ رِئَاؤُهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُحْسِنُهَا فِي الْخَلْوَةِ لِيَكُونَ كَذَلِكَ فِي الْمَلَأِ لَا لِحَيَاءٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ، وَكَمَنْ يَسْبِقُ مِنْهُ ضَحِكٌ أَوْ مِزَاحٌ فَيَخَافُ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ النَّاسُ بِعَيْنِ الِاحْتِقَارِ فَيَتْبَعُ ذَلِكَ بِالِاسْتِغْفَارِ وَتَنَفُّسِ الصُّعَدَاءِ .
وَيَقُولُ : مَا أَعْظَمَ غَفْلَةَ الْآدَمِيِّ عَنْ نَفْسِهِ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي خَلْوَةٍ لَمْ يَثْقُلْ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَكَمَنْ يَرَى قَوْمًا فِي عِبَادَةٍ فَيَدْخُلُهَا لِئَلَّا يُنْسَبُ إلَى الْكَسَلِ وَالْعَوَامِّ وَلَوْ خَلَا لَمْ يَفْعَلْهَا ، كَمَنْ يَعْطَشُ يَوْمَ عَرَفَةَ أَوْ عَاشُورَاءَ فَلَا يَشْرَبُ خَوْفًا مِنْ عِلْمِ النَّاسِ أَنَّهُ غَيْرُ صَائِمٍ ، وَإِنْ اضْطَرَّ ذَكَرَ لِنَفْسِهِ عُذْرًا تَصْرِيحًا أَوْ تَعْرِيضًا بِأَنْ يَتَعَلَّلَ بِمَرَضٍ اقْتَضَى فَرْطَ الْعَطَشِ أَوْ يَقُولَ : أَفْطَرْتُ تَطْيِيبًا لِقَلْبِ فُلَانٍ وَقَدْ لَا يَذْكُرُ ذَلِكَ مُتَّصِلًا بِشُرْبِهِ كَيْ لَا يُظَنُّ أَنَّهُ