فصل في الكبر والرياء وبغض الكفر وأهله
الجزء ٣٢ · صفحة ٦٤( و ) يُرَاءَى ( بِتَرْكٍ بِنَاسٍ ) أَيْ لِنَاسٍ أَوْ لِأَحَدٍ أَيْ بِتَرْكِ الْعِبَادَةِ لِأَجْلِهِمْ لِئَلَّا يُنْسَبُونَ إلَى الرِّيَاءِ مَثَلًا وَأَمَّا تَرْكُ الْمَعْصِيَةِ لِأَجْلِهِمْ لَا لِلَّهِ فَرِيَاءٌ أَيْضًا لَكِنَّهُ دَاخِلٌ فِي الرِّيَاءِ بِالطَّاعَةِ ، وَأَمَّا أَنْ يَتْرُكَ نَافِلَةً عِنْدَهُمْ لِيَعْمَلَهَا فِي السِّرِّ لِيَقْوَى الْأَجْرُ فَجَائِزٌ ( و ) قِيلَ التَّرْكُ لِلنَّاسِ : ( هُوَ نِفَاقٌ وَالْعَمَلُ بِهِمْ شِرْكٌ ) وَذَلِكَ أَنْ تَخْطُرَ لَهُ عِبَادَةٌ أَوْ يُؤْمَرَ بِهَا أَوْ يَسْمَعَهَا فَيُرِيدَ أَنْ يَفْعَلَهَا فَيَتْرُكَ فِعْلَهَا لِحُضُورِ النَّاسِ لِئَلَّا يَنْسُبُوهُ إلَى الرِّيَاءِ بِفِعْلِهَا فَقَدْ طَلَبَ إبْقَاءَ مَنْزِلَتِهِ فِي قُلُوبِهِمْ بِتَرْكِهَا إذْ لَوْ فَعَلَهَا لَنَسَبُوهُ إلَى الرِّيَاءِ فَيَنْقُصُ عِنْدَهُمْ أَوْ يَتْرُكُهَا لِئَلَّا يَخْطِرَ إلَيْهِ الرِّيَاءُ فَالْوَاجِبُ أَنْ يَفْعَلَهَا إنْ وَجَبَتْ وَيُزِيلَ الْعَوَارِضَ أَوْ يَنْفِيَ ذَلِكَ مِنْ قَلْبِهِ يَعْنِي أَنْ يَنْفِيَ أَنَّ التَّرْكَ لَهُمْ وَيَفْعَلَ بَعْدُ ، وَأَنْ يَفْعَلَهَا إنْ لَمْ تَجِبْ ، وَيُزِيلَ الْعَوَارِضَ أَوْ يَتْرُكَهَا وَيَنْفِي ذَلِكَ أَوْ يَفْعَلَهَا بَعْدُ مَعَ النَّفْيِ فِي حِينِهِ ، كَذَا ظَهَرَ لِي فِي تَفْسِيرِ كَوْنِ الشِّرْكِ بِالنَّاسِ رِيَاءً ، وَهُوَ أَيْضًا شِرْكٌ لِأَنَّ كُلَّ مَا كَانَ بِرِيَاءٍ كَانَ مُشْرِكًا ، وَلَيْسَ إثْبَاتُ التَّرْكِ لِلْعَمَلِ بِهِمْ نَفْيًا لِلشِّرْكِ عَنْهُ وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ الْعَمَلُ بِهِمْ مُشَابَهَتُهُ لِلشِّرْكِ أَظْهَرُ عِنْدَ الْمُبْتَدِي أَوْ بَادِئِ النَّظَرِ مِنْ مُشَابَهَةِ التَّرْكِ لِلشِّرْكِ سُمِّيَ الْعَمَلُ بِهِمْ شِرْكًا ، وَسُمِّيَ التَّرْكُ بِهِمْ بِاسْمٍ دُونَهُ وَهُوَ النِّفَاقُ .
وَالشِّرْكُ فِي قَوْلِنَا : الرِّيَاءُ شِرْكٌ مُشَبَّهٌ بِهِ أَيْ الرِّيَاءِ كَعِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ ، أَوْ هُوَ بِالْمَعْنَى الْعَامِّ الْمَعْنَوِيِّ فَإِنَّ فِي كُلٍّ مِنْ عَمَلِ الْمُرَائِي وَعَمَلِ عَابِدِ الصَّنَمِ تَقَرُّبًا إلَى غَيْرِ اللَّهِ وَإِشْرَاكًا لَهُ بِهِ ، ثُمَّ رَأَيْتُ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا - مَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ التَّفْسِيرَ مَا نَصُّهُ : وَمِنْ مَكَائِدِ