فصل في الكبر والرياء وبغض الكفر وأهله
الجزء ٣٢ · صفحة ٦٥الشَّيْطَانِ أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَكُونُ لَهُ وِرْدٌ مُعَيَّنٌ كَصَلَاةِ الضُّحَى وَالتَّهَجُّدِ فَيَقَعُ فِي قَوْمٍ لَا يَفْعَلُونَهُمَا فَيَتْرُكُهُمَا خَوْفًا مِنْ الرِّيَاءِ ، فَهَذَا غَلَطٌ وَمُتَابَعَةُ الشَّيْطَانِ إذْ مُدَاوَمَتُهُ السَّابِقَةُ دَلِيلٌ عَلَى الْإِخْلَاصِ ، فَمُجَرَّدُ وُقُوعِ خَاطِرِ الرِّيَاءِ فِي الْقَلْبِ بِلَا اخْتِيَارٍ وَقَبُولٍ لَيْسَ بِضَارٍّ وَلَا رِيَاءٍ وَلَا مُخِلٍّ بِالْإِخْلَاصِ ، فَتَرْكُ الْعَمَلِ لِأَجْلِهِ مُوَافَقَةٌ لِلشَّيْطَانِ ، وَيَحْصُلُ لِغَرَضِهِ ، نَعَمْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى الْمُعْتَادِ إنْ لَمْ يَجِدْ بَاعِثًا دِينِيًّا وَقَدْ يَتْرُكُهُمَا لَا خَوْفًا مِنْ الرِّيَاءِ بَلْ خَوْفًا مِنْ أَنْ يُنْسَبَ إلَى الرِّيَاءِ ، وَأَنْ يُقَالَ إنَّهُ مُرَاءٍ وَهَذَا عَيْنُ الرِّيَاءِ لِأَنَّهُ تَرَكَ خَوْفًا مِنْ سُقُوطِ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَهُمْ ، وَفِيهِ أَيْضًا سُوءُ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ وَقَدْ يُوقِعُ الشَّيْطَانُ فِي قَلْبِهِ أَنْ يَتْرُكَهُ لِأَجْلِ صِيَانَتِهِمْ عَنْ مَعْصِيَةِ الْغِيبَةِ لَا لِلْقَرَارِ عَنْ ذَمِّهِمْ لَهُ وَسُقُوطِ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَهُمْ ، وَهَذَا أَيْضًا سُوءُ الظَّنِّ بِهِمْ ، وَصِيَانَةُ غَيْرِهِ عَنْ الْمَعْصِيَةِ إنَّمَا تَحْسُنُ فِي تَرْكِ الْمُبَاحَاتِ لَا الْعِبَادَاتِ ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ تَرْكُ السِّوَاكِ وَالطَّيْلَسَانِ وَالْمَشْيِ حَافِيًا وَرُكُوبِ الْحِمَارِ وَنَحْوِهَا صِيَانَةً لِأَلْسِنَةِ النَّاسِ عَنْ الْغِيبَةِ ، وَفِيهِ تَرْكُ السُّنَّةِ وَسُوءُ الظَّنِّ وَعَدَمُ النَّدَامَةِ عَلَى تَرْكِ السُّنَّةِ بَلْ اسْتِحْسَانُهُ وَعَدُّهَا عَيْبًا وَنُقْصَانًا ا هـ وَالشَّيْطَانُ يَدْعُو أَوَّلًا إلَى شِرْكِ الْعِبَادَةِ وَإِنْ لَمْ تَتْرُكْ فَإِلَى الرِّيَاءِ ، فَإِنْ لَمْ يُرَاءِ أَوْهَمَهُ أَنَّ تَرْكَ الْعَمَلِ مَخَافَةَ الرِّيَاءِ إخْلَاصٌ ، وَإِنَّمَا الْإِخْلَاصُ إيقَاعُ الطَّاعَةِ خَاصَّةً لِلَّهِ تَعَالَى دُونَ النَّاسِ لَا مِنْ زَعْمِ الشَّيْطَانِ مِنْ الشِّرْكِ لَهُمْ وَإِنْ عَارَضَهُ وَقَالَ : إنَّكَ مُرَاءٍ زَادَ فِيهَا وَحَسَّنَهَا بِالْإِخْلَاصِ .