شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

فصل في الكبر والرياء وبغض الكفر وأهله

الجزء ٣٢ · صفحة ٧٩

( وَإِنْ عَارَضَ ) الرِّيَاءُ عَامِلًا أَوْ غَيْرَ عَامِلٍ ، وَإِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ مَعَ قَوْلِ صَاحِبِ الْأَصْلِ : إنْ عَارَضَهُ فِي فِعْلِهِ لِأَنَّ الرِّيَاءَ يَكُونُ بِالْعَمَلِ وَغَيْرِهِ وَبِعَمَلِ الْمُرَائِي وَعَمَلِ غَيْرِهِ وَبِالتَّرْكِ ( وَلَمْ يَنْفِ ) أَيْ لَمْ يَنْفِهِ ذَلِكَ الَّذِي عَارَضَهُ هُوَ ( فَهَلْ ) هُوَ ( رِيَاءٌ ) لِحُصُولِهِ ، وَالْأَصْلُ فِي الْحَاصِلِ الثُّبُوتُ إذْ لَمْ يَنْفِ فَهُوَ رِيَاءٌ خَفِيٌّ لَا يُشْعَرُ مِنْهُ إلَّا بِذَلِكَ الْعُرُوضِ كَسَارِقٍ لَاحَظَهُ صَاحِبُ الدَّارِ فِي لَيْلَةٍ فِي دَارِهِ فَخَفِيَ فَغَفَلَ عَنْهُ فَكَانَ يَأْخُذُ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ وَمَا تَيَسَّرَ ، وَكَذِئْبٍ رَآهُ رَاعٍ فِي غَنَمِهِ أَوْ فِي قَرِيبٍ مِنْهَا فَغَفَلَ عَنْهُ وَدَخَلَ الْغَنَمَ يُفْسِدُ وَيَأْكُلُ ( أَوْ ) لَا يَكُونُ رِيَاءً ( حَتَّى يُحَقِّقَ ) وَيُبَيِّنَ فَإِذَا حَقَّقَهُ وَاعْتَقَدَهُ وَاطْمَأَنَّ إلَيْهِ فَهُوَ رِيَاءٌ وَلَوْ غَفَلَ عَنْهُ بَعْدُ ؟ ( قَوْلَانِ ؛ وَرُخِّصَ ) أَنْ لَا تَكُونَ مُعَارَضَتُهُ رِيَاءً وَلَوْ حَقَّقَهُ وَبَيَّنَهُ وَلَمْ يَنْفِهِ ( مَا لَمْ يَبْذُلْ بِقَصْدِ الثَّوَابِ حُبَّ الْحَمْدِ ) حَمْدِ الْخَلْقِ لَهُ ، أَدْخَلَ الْبَاءَ عَلَى الْمُبْدَلِ مِنْهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِاَلَّذِي هُوَ خَيْرٌ ﴾ فَظَاهِرُ الْعِبَارَةِ أَنَّهُ أَخَذَ قَصْدَ الثَّوَابِ بَدَلَ حُبِّ الْمَحْمَدَةِ كَمَا تَقُولُ : بِعْتُ الثَّوْبَ بِدِينَارٍ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادَهُ ، بَلْ أَرَادَ أَخْذَ حُبِّ الْمَحْمَدَةِ بَدَلَ قَصْدِ الثَّوَابِ كَالْآيَةِ ، فَإِنَّ الْبَاءَ تَدْخُلُ عَلَى الْعِوَضِ .

وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : ﴿ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾ فَالِاشْتِرَاءُ فِيهِ بِمَعْنَى الِاسْتِبْدَالِ فَالْبَاءُ دَخَلَتْ عَلَى الْعِوَضِ ( وَلَوْ خَطَرَ ) التَّبْدِيلُ ( بِبَالِهِ ) وَحَقَّقَهُ وَتَبَيَّنَ لَهُ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الرُّخْصَةِ وَالْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ إذَا حَقَّقَهُ وَاطْمَأَنَّتْ نَفْسُهُ إلَيْهِ كَانَ رِيَاءً عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي ، وَلَا يَكُونُ رِيَاءً عَلَى الرُّخْصَةِ حَتَّى يَخْطِرَ فِي قَلْبِهِ قَصْدُ الثَّوَابِ أَوْ يَخْطِرَ لَهُ

١٥٬٥٧٩ / ١٧٬٤٣٨