فصل في الكبر والرياء وبغض الكفر وأهله
الجزء ٣٢ · صفحة ٨٠أَنَّ الرِّيَاءَ مُبْطِلٌ لَهُ أَوْ قَصَدَ الثَّوَابَ مِنْ قَبْلِ عُرُوضِ الرِّيَاءِ وَاسْتَصْحَبَهُ ، وَبَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ أَلْغَى الْمَيْلَ إلَى الثَّوَابِ وَمَالَ إلَى الرِّيَاءِ ، وَهَذِهِ الرُّخْصَةُ إنَّمَا تُتَصَوَّرُ فِي الرِّئَاءِ بِالْعِبَادَةِ قِيلَ مِنْ الْأَفْعَالِ مَا يَكُونُ طَاعَةً غَيْرَ فَرْضٍ كَجَلْبِ مَنْفَعَةِ الدُّنْيَا لِلْمُسْلِمِ بِعَمَلٍ غَيْرِ عِبَادَةٍ قِيلَ ، وَالْمُرَائِي إمَّا أَنْ يُرِيدَ بِعَمَلِهِ النَّاسَ أَوْ النَّاسَ وَرَبَّهُمْ ، وَفِي أَثَرٍ : إنَّ هُنَاكَ صُوَرًا تَتَرَدَّدُ بَيْنَ الرِّيَاءِ وَالْإِخْلَاصِ وَالْحِيلَةِ يَدْخُلُ فِيهَا تَلْبِيسُ إبْلِيسَ فَنَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيمِ مُقَدِّمَةٍ فِي دَفْعِهِ فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ : الْمَذْهَبُ الْمُخْتَارُ الْجَمْعُ بَيْنَ الِاسْتِعَاذَةِ وَالْمُحَارَبَةِ فَنَسْتَعِيذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى مِنْ شَرِّهِ أَوَّلًا كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ كَلْبٌ سُلِّطَ عَلَيْنَا فَعَلَيْنَا الرُّجُوعُ إلَى رَبِّنَا لِيَصْرِفَهُ عَنَّا ، ثُمَّ نَسْتَخِفُّ بِدَعْوَتِهِ وَنَنْفِيهَا كُلَّمَا وَرَدَتْ ، وَلَا نَشْتَغِلُ بِالْمُحَارَبَةِ وَالْجَوَابِ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْكَلْبِ النَّابِحِ كُلَّمَا أَقْبَلْتَ عَلَيْهِ وَلِعَ بِكَ وَلَجَّ .
وَإِنْ أَعْرَضْتَ سَكَتَ ، وَإِنْ لَمْ يَسْكُتْ بَلْ تَغَلَّبَ عَلَيْنَا عَلِمْنَا أَنَّهُ ابْتِلَاءٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لِيَرَى صِدْقَ مُجَاهَدَتِنَا وَقُوَّتِنَا ، كَمَا أَنَّ اللَّهَ سَلَّطَ عَلَيْنَا الْكُفَّارَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى كِفَايَةِ أَمْرِهِمْ وَشَرِّهِمْ لِيَكُونَ لَنَا حَظٌّ مِنْ الْجِهَادِ وَالصَّبْرِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ وَأَيْضًا قَدْ يَشْتَبِهُ عَلَيْنَا خَاطِرٌ لَا نَدْرِي أَنَّهُ شَرٌّ مِنْ الشَّيْطَانِ أَوْ خَيْرٌ مِنْ غَيْرِهِ ، فَعَلَيْنَا الْمُحَارَبَةُ وَالْقَهْرُ وَالدَّوَامُ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِاللِّسَانِ وَالْقَلْبِ ، وَمَعْرِفَةُ وَسَاوِسِهِ وَمَكَائِدِهِ ، فَلَا بُدَّ أَوَّلًا مِنْ مَعْرِفَةِ مَنْشَأِ الْخَوَاطِرِ وَتَمْيِيزِ