فصل في الكبر والرياء وبغض الكفر وأهله
الجزء ٣٢ · صفحة ٨٤وَأَمَّا خَبَلُ الشَّيْطَانِ وَمُخَادَعَتُهُ فِي الطَّاعَةِ فَمِنْ سَبْعَةِ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : أَنْ يَنْهَاهُ عَنْهَا فَإِنْ عَصَمَهُ اللَّهُ رَدَّهُ بِأَنْ قَالَ : إنِّي مُحْتَاجٌ إلَى ذَلِكَ جِدًّا إذْ لَا بُدَّ مِنْ التَّزَوُّدِ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ لِلْآخِرَةِ الَّتِي لَا انْقِضَاءَ لَهَا ، ثُمَّ يَأْمُرُهُ بِالتَّسْوِيفِ فَإِنْ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى رَدَّهُ بِأَنْ يَقُولَ : لَيْسَ أَجَلِي بِيَدِي إنِّي إنْ سَوَّفْتُ عَمَلَ الْيَوْمِ إلَى غَدٍ فَعَمَلُ الْغَدِ مَتَى أَعَمَلُهُ ، فَإِنَّ لِكُلِّ يَوْمٍ عَمَلًا ، ثُمَّ يَأْمُرُهُ بِالْعَجَلَةِ فَيَقُولُ لَهُ : عَجِّلْ لِتَفْرُغَ لِكَذَا وَكَذَا فَإِنْ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى رَدَّهُ بِأَنْ قَالَ : قَلِيلُ الْعَمَلِ مَعَ التَّمَامِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرِهِ مَعَ النُّقْصَانِ ، ثُمَّ يَأْمُرُهُ بِإِتْمَامِ الْعَمَلِ مَعَ الْمُرَاءَاةِ فَإِنْ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى رَدَّهُ بِأَنْ قَالَ : النَّاسُ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ وَلَا نَفْعٍ أَوْ ضُرٍّ أَفَلَا يَكْفِينِي رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى الضَّارِّ النَّافِعِ ، ثُمَّ يُوقِعُهُ فِي الْعُجْبِ فَيَقُولُ : مَا أَيْقَظَكَ وَأَعْقَلَكَ تَنَبَّهْتَ لِمَا لَمْ يَتَنَبَّهْ لَهُ غَيْرُكَ ، فَإِنْ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى رَدَّهُ بِأَنْ قَالَ : الْمِنَّةُ لِلَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ دُونِي فَهُوَ الَّذِي خَصَّنِي بِتَوْفِيقِهِ وَجَعَلَ لِعَمَلِي قِيمَةً عَظِيمَةً بِفَضْلِهِ ، وَلَوْلَا فَضْلُهُ لَمَا كَانَ لَهُ قِيمَةٌ فِي جَنْبِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَجَنْبِ مَعْصِيَتِي لَهُ ، ثُمَّ يَقُولُ : اجْتَهِدْ أَنْتَ فِي السِّرِّ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَيُظْهِرُهُ وَيَجْعَلُكَ شَرِيفًا خَطِيرًا بَيْنَ النَّاسِ ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ ضَرْبًا مِنْ الرِّيَاءِ الْخَفِيِّ .
فَإِنْ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى رَدَّهُ بِأَنْ قَالَ : إنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَهُوَ سَيِّدِي إنْ شَاءَ أَظْهَرَ وَإِنْ شَاءَ أَخْفَى ، وَإِنْ شَاءَ جَعَلَنِي خَطِيرًا ، وَإِنْ شَاءَ جَعَلَنِي حَقِيرًا ، وَذَلِكَ إلَيْهِ وَلَا أُبَالِي إنْ أَظْهَرَ ذَلِكَ لِلنَّاسِ أَوْ لَمْ يُظْهِرْهُ فَلَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ ، ثُمَّ يَقُولُ آخَرُ : لَا حَاجَةَ لَكَ إلَى هَذَا