شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

باب في التمني والتأمين والشهرة والمنزلة وغير

الجزء ٣٢ · صفحة ١٤١

وَخُصَّتْ بِأَنَّ شَرِيعَتَهُمْ أَكْمَلُ مِنْ جَمِيعِ شَرَائِعِ الْأُمَمِ ، فَقَدْ كَانَتْ شَرِيعَةُ مُوسَى شَرِيعَةَ قَهْرٍ وَإِصْرٍ كَرَفْعِ الْجَبَلِ فَوْقَهُمْ وَقَتْلِ نُفُوسِهِمْ وَتَحْرِيمِ الشُّحُومِ وَذَوَاتِ الظِّلْفِ وَغَيْرِهَا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَالْغَنَائِمِ ، وَعُمِلَتْ لَهُمْ عُقُوبَاتٌ ، وَكَانَ مُوسَى مِنْ أَعْظَمِ خَلْقِ اللَّهِ هَيْبَةً وَوَقَارًا وَبَأْسًا وَغَضَبًا لِلَّهِ عَلَى أَعْدَاءِ اللَّهِ ، وَكَانَ لَا يُسْتَطَاعُ النَّظَرُ إلَيْهِ ، وَكَانَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي مَظْهَرِ الْجَمَالِ وَشَرِيعَتُهُ شَرِيعَةُ فَضْلٍ وَإِحْسَانٍ وَلَا يُقَاتِلُ وَلَا يُحَارِبُ وَلَيْسَ فِي شَرِيعَتِهِ قِتَالٌ أَلْبَتَّةَ ، وَالنَّصَارَى يُحَرَّمُ عَلَيْهِمْ فِي دِينِهِمْ الْقِتَالُ وَهُمْ بِهِ عُصَاةٌ ، فَإِنَّ الْإِنْجِيلَ يَأْمُرُ فِيهِ بِأَنَّهُ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الْأَيْمَنِ فَأَدِرْ لَهُ خَدَّكَ الْأَيْسَرَ ، وَمَنْ نَازَعَكَ ثَوْبَكَ فَأَعْطِهِ رِدَاءَكَ ، وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلًا فَامْشِ مَعَهُ مِيلَيْنِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلَيْسَ فِي شَرِيعَتِهِمْ مَشَقَّةٌ ، وَابْتَدَعُوا الرَّهْبَانِيَّةَ وَلَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِمْ ، وَأَمَّا نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَمَعَ الْقُوَّةَ وَالْعَدْلَ وَالشِّدَّةَ فِي اللَّهِ وَاللِّينَ وَالرَّأْفَةَ وَالرَّحْمَةَ وَالْفَرْضَ وَالنَّدْبَ وَالتَّحْرِيمَ وَالْإِمْسَاكَ وَالْكَرَمَ : ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ﴾ هَذَا عَدْلٌ : ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾ هَذَا فَضْلٌ : ﴿ إنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ هَذَا تَحْرِيمُ الظُّلْمِ فَذَكَرَ الظُّلْمَ وَتَحْرِيمَهُ ، وَالْعَدْلَ وَالْأَمْرَ بِهِ وَالْفَضْلَ وَالنَّدْبَ إلَيْهِ فِي بَعْضِ آيَاتِهِ ، وَقَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا : ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ﴾ هَذَا إيجَابٌ لِلْعَدْلِ وَتَحْرِيمٌ لِلظُّلْمِ ﴿ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ﴾ ، نَدَبَ إلَى الْفَضْلِ ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ رَحْمَةً ، وَأَبَاحَ لَهُمْ كُلَّ طَيِّبٍ رَحْمَةً ، وَقَدْ حُرِّمَتْ بَعْضُ الطَّيِّبَاتِ عَلَى غَيْرِنَا عُقُوبَةً .

١٥٬٦٤١ / ١٧٬٤٣٨