باب في الحسد والتمني والشمت بالمصائب
الجزء ٣٢ · صفحة ٢٢٠لَاحَيْتُ أَبِي فَأَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَأْوِيَنِي إلَيْكَ حَتَّى تَمْضِيَ الْمُدَّةُ فَعَلْتَ قَالَ لَهُ : نَعَمْ فَبَاتَ عِنْدَهُ ثَلَاثَ لَيَالٍ فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنْ اللَّيْلِ شَيْئًا غَيْرَ أَنَّهُ إذَا انْقَلَبَ فِي فِرَاشِهِ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى وَكَبَّرَ وَلَمْ يَقُمْ حَتَّى قَامَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ يُسْبِغُ وُضُوءَهُ وَيُتِمُّ صَلَاتَهُ قَالَ : غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ يَقُولُ إلَّا خَيْرًا وَيُصْبِحُ مُفْطِرًا وَلَمَّا مَرَّتْ الثَّلَّاتُ وَكِدْتُ أُصْغِرُ عَمَلَهُ فَقُلْتُ : يَا عَبْدَ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ وَالِدِي غَضَبٌ وَلَا هِجْرَةٌ وَلَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا فَأَرَدْتُ أَنْ أَعْرِفَ عَمَلَكَ فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ عَمَلًا كَبِيرًا فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ ذَلِكَ ؟ قَالَ : مَا هُوَ إلَّا مَا رَأَيْتَ فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي فَقَالَ : مَا هُوَ إلَّا مَا رَأَيْتَ غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نَفْسِي غِشًّا وَلَا حَسَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إيَّاهُ ، قَالَ لَهُ : هِيَ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ عَلَيْهَا } .
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ : بَارَزَ الْحَاسِدُ رَبَّهُ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ : أَوَّلُهَا بُغْضُهُ عَلَى نِعْمَةٍ ظَهَرَتْ عَلَى غَيْرِهِ ، وَالثَّانِي أَنَّهُ سَاخِطٌ بِقِسْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَكَأَنَّهُ يَقُولُ لِرَبِّهِ لِمَ قَسَمْتَ هَكَذَا ؟ .
وَالثَّالِثُ أَنَّهُ مُضَادٌّ لِفَضْلِهِ إذْ بَخِلَ بِمَا تَفَضَّلَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ ، وَالرَّابِعُ أَنَّهُ خَذَلَ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ إذْ أَرَادَ زَوَالَ النِّعْمَةِ عَنْهُمْ ، وَالْخَامِسُ أَنَّهُ أَعَانَ عَدُوَّ اللَّهِ إبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ وَالْحَسَدُ قِيلَ : أَوَّلُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ إذْ عَصَى اللَّهَ بِهِ إبْلِيسُ فَتَرَكَ السُّجُودَ لِآدَمَ وَكَذَا قَابِيلُ لَمْ يَقْتُلْ أَخَاهُ هَابِيلَ إلَّا بِالْحَسَدِ ، وَمِنْ الْحِكَمِ : الْحَسُودُ لَا يَسُودُ قَرَعَ إبْلِيسُ بَابَ فِرْعَوْنَ فَقَالَ فِرْعَوْنُ : مَنْ هَذَا ؟ فَقَالَ لَهُ إبْلِيسُ : لَوْ كُنْتَ رَبًّا مَا جَهِلْتَ ،