شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

فصل في إذلال النفس وتدنيسها

الجزء ٣٢ · صفحة ٢٩٥

أَوْ كَافِرٍ يَقُولُ : مَا يُدْرِينِي لَعَلَّهُ يُخْتَمُ لَهُ بِالْإِسْلَامِ وَيُخْتَمُ لِي بِمَا هُوَ عَلَيْهِ الْآنَ ، وَلَا عِقَابَ عَلَيْهِ ، وَأَنَا عَصَيْتُهُ فَأَنَا مُسْتَحِقٌّ لَهُمَا ، فَيَكُونُ مَصْرُوفَ الْهَمِّ إلَى نَفْسِهِ مَشْغُولَ الْقَلْبِ بِعَيْبِهِ لِخَوْفِ عَاقِبَتِهِ عَنْ عَيْبِ غَيْرِهِ ، وَيَبْغُضُ الْمُبْتَدِعَ وَالْعَاصِيَ فِي اللَّهِ وَيَأْمُرُ وَيَنْهَى فِي اللَّهِ لَا يَرَى لِنَفْسِهِ حَقًّا وَلَا يَرَى نَفْسَهُ نَاجِيًا ، وَمَرَّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ بِصِبْيَانٍ وَفِي رِوَايَةٍ : بِمَسَاكِينَ مَعَهُمْ كِسَرُ خُبْزٍ قَدْ نَشَرُوهُ فِي ثَوْبِ أَحَدِهِمْ فَاسْتَضَافُوهُ أَدَبًا مِنْهُمْ فَنَزَلَ وَأَكَلَ مَعَهُمْ ، وَإِنْ كَانَ ذَا جَاهٍ وَحُشُومَةٍ تَوَاضُعًا وَلِخَبَرِ : مَنْ دُعِيَ فَلْيُجِبْ ، وَلَوْ إلَى كُرَاعٍ ثُمَّ حَمَلَهُمْ إلَى مَنْزِلِهِ وَأَطْعَمَهُمْ وَكَسَاهُمْ ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ : قَدْ أَجَبْتُكُمْ فَأَجِيبُونِي فَاتَّبَعُوهُ إلَى دَارِهِ فَأَكْرَمَهُمْ وَقَالَ : الْيَدُ لَهُمْ أَيْ النِّعْمَةُ حَيْثُ أَحْسَنُوا أَوَّلًا وَبَذَلُوا مَا أَمْكَنَهُمْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا غَيْرَ مَا أَطْعَمُونِي وَنَحْنُ نَجِدُ أَكْثَرَ مِنْهُ ، وَالْعَفْوُ التَّجَاوُزُ عَنْ الذَّنْبِ وَتَرْكُ الْعِقَابِ عَلَيْهِ وَأَصْلُهُ الْمَحْوُ كَمَا تَقُولُ : عَفَتْ الرِّيحُ الْأَثَرَ وَمَعْنَى كَوْنِ الصَّدَقَةِ تَزِيدُ الْمَالَ كَثْرَةً أَنَّهَا سَبَبٌ لِكَثْرَةِ الْمَالِ ، وَهِيَ أَيْضًا حِرْزٌ لَهُ عَنْ ضَيَاعِهِ فَهُوَ يَبْقَى وَتَنْزِلُ فِيهِ الْبَرَكَةُ مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي صَاحِبُهُ ، وَإِنْ كَانَتْ تُنْقِصُهُ حِسًّا كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ مَا نَقَصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ ﴾ أَيْ لَا يَنْقُصُ بِسَبَبِ الصَّدَقَةِ فَإِنَّهُ وَلَوْ نَقَصَ حِسًّا لَكِنْ قَدْ أَعَدَّ لَهُ ثَوَابَهُ فِي الْآخِرَةِ وَيُبَارِكُ لَهُ فِي الْبَاقِي ، وَمَنْ حَوَّلَ بَعْضَ مَالِهِ مِنْ أَحَدِ دَارَيْهِ فِي الدُّنْيَا إلَى دَارِهِ الْأُخْرَى لَا يُقَالُ ، لَهُ نَقَصَ مَالُهُ ، وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ إذَا رَأَى سَائِلًا قَالَ : مَرْحَبًا بِمَنْ جَاءَ يُحَوِّلُ مَالَنَا مِنْ دُنْيَانَا لِأُخْرَانَا ، وَذَكَرَ الْعَلْقَمِيُّ

١٥٬٧٩٥ / ١٧٬٤٣٨