فصل في إذلال النفس وتدنيسها
الجزء ٣٢ · صفحة ٢٩٤إنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ } قِيلَ : مَا تَاهَ إلَّا وَضِيعٌ وَلَا فَاخَرَ إلَّا لَقِيطٌ ، وَكُلُّ مُتَوَاضِعٍ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ ، فَسُبْحَانَ مَنْ تَوَاضَعَ كُلُّ شَيْءٍ لِعِزَّةِ جَبَرُوتِ عَظَمَتِهِ قَالَ أَبُو سِتَّةَ عَنْ الْعَلْقَمِيِّ : التَّوَاضُعُ بِضَمِّ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ مُشْتَقٌّ مِنْ الضِّعَةِ بِكَسْرِهَا وَهُوَ الْهَوَانُ ، وَالْمُرَادُ بِالتَّوَاضُعِ إظْهَارُ التَّنَزُّلِ عَنْ الْمَرْتَبَةِ مِمَّنْ يُزَادُ تَعْظِيمُهُ ، وَقِيلَ هُوَ تَعْظِيمُ مَنْ فَوْقَهُ لِفَضْلِهِ ، وَقِيلَ : هُوَ الِاسْتِسْلَامُ لِلْحَقِّ وَتَرْكُ الْإِعْرَاضِ عَنْ الْحُكْمِ مِنْ الْحَاكِمِ ، وَقِيلَ : هُوَ أَنْ تَخْضَعَ لِلْحَقِّ وَتَنْقَادَ لَهُ وَتَقْبَلَهُ مِمَّنْ قَالَهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا شَرِيفًا أَوْ وَضِيعًا حُرًّا أَوْ عَبْدًا ذَكَرًا أَوْ غَيْرَهُ ، نَظَرًا لِلْقَوْلِ لَا لِلْقَائِلِ ، فَهُوَ إنَّمَا يَتَوَاضَعُ لِلْحَقِّ وَيَنْقَادُ لَهُ ، وَقِيلَ : هُوَ أَنْ لَا يَرَى لِنَفْسِهِ مَقَامًا وَلَا حَالًا يَفْضُلُ بِهِمَا غَيْرَهُ أَوْ لَا يَرَى أَنَّ فِي الْخَلْقِ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُ ا هـ وَقَدْ قِيلَ : إنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى كَبِيرٍ إلَّا وَيُفَضِّلُهُ عَلَى نَفْسِهِ فَإِنَّهُ لَعَلَّهُ قَدْ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ عَمَلِهِ وَلَا إلَى أَصْغَرَ مِنْهُ أَوْ مِثْلِهِ إلَّا وَيَقُولُ ذَلِكَ أَوْ يَقُولُ لَعَلَّهُ أَوْرَعُ مِنِّي وَأَحْسَنُ خِصَالًا ، وَفِي أَثَرٍ : حَقُّ الْعَبْدِ أَنْ لَا يَتَكَبَّرَ عَلَى أَحَدٍ فَإِنْ نَظَرَ إلَى جَاهِلٍ يَقُولُ : هَذَا عَصَى اللَّهَ بِجَهْلٍ وَأَنَا عَصَيْتُهُ بِعِلْمٍ فَلَعَلَّهُ قَرِيبٌ لِلْعُذْرِ بِالنِّسْبَةِ إلَيَّ ، وَإِنْ نَظَرَ إلَى عَالِمٍ يَقُولُ : هَذَا عَالِمٌ مَا لَمْ أَعْلَمْ فَكَيْفَ أَكُونُ مِثْلَهُ ، وَإِنْ نَظَرَ إلَى أَكْبَرَ سِنًّا مِنْهُ يَقُولُ : إنَّهُ أَطَاعَ اللَّهَ قَبْلِي ، وَإِنْ نَظَرَ إلَى أَصْغَرَ سِنًّا يَقُولُ : إنِّي عَصَيْتُ اللَّهَ قَبْلَهُ ، وَإِنْ نَظَرَ إلَى مُسَاوِيهِ سِنًّا يَقُولُ : أَنَا أَعْلَمُ بِحَالِي وَلَا أَعْلَمُ ، وَالْمَعْلُومُ أَوْلَى بِالتَّحْقِيرِ مِنْ الْمَجْهُولِ .
وَإِنْ نَظَرَ إلَى مُبْتَدِعٍ