فصل في إذلال النفس وتدنيسها
الجزء ٣٢ · صفحة ٣٠٧( وَحَرَامٌ عَلَيْهِ ) بِغَيْرِ أَنْ يَكْفُرَ بِمَا لَيْسَ مَعْصِيَةً ( أَنْ يُدَنِّسَ نَفْسَهُ بِفِعْلٍ يُنْقِصُهُ ) فِعْلِ لِسَانٍ وَهُوَ الْكَلَامُ ، أَوْ فِعْلِ جَوَارِحِهِ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ حَدِيثًا فِي بَعْضِ كُتُبِ السِّيَرِ ، رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ﴿ حَرَامٌ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يُدَنِّسَ نَفْسَهُ ﴾ وَمَعْنَاهُ التَّنَزُّهُ عَنْ جَمِيعِ مَا يُنْقِصُهُ ( وَإِنْ بِقُعُودٍ فِي مَحِلٍّ كُرِهَ لَهُ ) كَقُعُودٍ فِي مَوْضِعٍ تَقْعُدُ فِيهِ الزُّنَاةُ أَوْ يُنْسَبُ إلَى الزِّنَى أَوْ السُّرَّاقِ أَوْ مَنْ يُنْسَبُ لِلسَّرِقَةِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَمْشِيَ إلَى مَوْضِعٍ تُبَاعُ فِيهِ الْخَمْرُ أَوْ يَقْعُدَ حَيْثُ يَظُنُّ النَّاسُ أَنَّ النَّجَسَ يَطِيرُ إلَيْهِ وَهُوَ لَا يَطِيرُ أَوْ يَطِيرُ إلَيْهِ وَلَكِنْ ثِيَابُهُ نَجِسَةٌ ، وَهُوَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ ، أَوْ طَاهِرَةٌ تُنَجَّسُ ، فَيُصَلِّي بِغَيْرِهَا ، وَكَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي السُّوقِ وَالْمَجْمَعِ وَالطَّرِيقِ وَالضَّرْطِ حَيْثُ يُسْمَعُ وَلَا يَضُرُّ السَّامِعَ بِالرَّائِحَةِ ، وَكَذَا كُلُّ مُبَاحٍ يَجُرُّ إلَى التَّدْنِيسِ بِالتُّهْمَةِ وَمَا يَجُرُّ إلَى التَّكَلُّمِ فِيهِ وَلَا سِيَّمَا الْمَعْصِيَةُ فَإِنَّهَا حَرَامٌ وَتُدَنِّسُ ، وَأَمَّا الْفَرْضُ أَوَمَا هُوَ طَاعَةٌ فِي ذَاتِهِ أَوْ سُنَّةٌ فَلَا بَأْسَ وَلَوْ ذُمَّ عَلَيْهِ وَدُنِّسَ كَلِبَاسٍ إلَى نِصْفِ سَاقٍ وَتَجْرِيدِ الْقَبْرِ عَمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ .
( وَصُحْبَةِ مَنْ تُكْرَهُ لَهُ صُحْبَتُهُ ) مَعْطُوفٌ عَلَى قُعُودٍ وَسَوَاءٌ صَحِبَهُ فِي السَّفَرِ أَوْ الْحَضَرِ كَأَهْلِ الرِّبَا أَوْ الرِّيبَةِ أَوْ الْفِسْقِ ، قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ لِرَجُلٍ يُوصِيهِ : اتَّخِذْ لِنَفْسِكَ مِرْآةً تَنْظُرُ فِيهَا وَجْهَكَ لِئَلَّا يُدَنَّسَ عَلَيْكَ وَأَنْتَ لَا تَشْعُرُ وَهُوَ الصَّاحِبُ الْأَخُ الْحَبِيبُ الْوَادُّ الشَّفِيقُ ، فَقِيلَ لَهُ : مَنْ ذَا الَّذِي يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَهُ خَلِيلًا ؟ فَقَالَ : الَّذِي يَكْفِيكَ مُؤْنَةَ نَفْسِهِ ، وَيُعِينُكَ عَلَى نَفْسِكَ ، وَاَلَّذِي يَعِظُكَ لِرُؤْيَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَعِظَكَ بِكَلَامِهِ ، وَاَلَّذِي يَرَى