باب في الزهد والرغبة في الإسلام
الجزء ٣٢ · صفحة ٤٧٥عَقَّالٍ عَلْوَانَ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْأَغْلَبِ مِنْ مُلُوكِ الْمَغْرِبِ ، وَكَانَ ذَا نَعْمَةٍ وَمُلْكٍ وَفُتُوَّةٍ ، فَتَابَ إلَى رَبِّهِ وَرَجَعَ عَنْ ذَلِكَ وَفَارَقَ نُظَرَاءَهُ وَرَفَضَ الْمَالَ وَالْأَهْلَ وَهَجَرَ النِّسَاءَ وَالْوَطَنَ ، وَبَلَغَ فِي الْعِبَادَةِ مَبْلَغًا وَفَاقَ الْمُجْتَهِدِينَ وَعُرِفَ بِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ ، وَكَانَ عَالِمًا أَدِيبًا وَصَحِبَ رَجُلًا يُكَنَّى أَبَا هَارُونَ الْأَنْدَلُسِيَّ وَكَانَ مُنْقَطِعًا مُتَبَتِّلًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يَرَ لَهُ كَبِيرَ اجْتِهَادٍ فِي الْعِلْمِ ، فَبَيْنَمَا أَبُو عَقَّالٍ يَجْتَهِدُ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ وَأَبُو هَارُونَ نَائِمٌ إذْ غَلَبَهُ النَّوْمُ فَقَالَ لِنَفْسِهِ : يَا نَفْسُ مَا هَذَا ، عَابِدٌ جَلِيلُ الْقَدْرِ يَنَامُ اللَّيْلَ وَأَنَا أَسْهَرُهُ كُلَّهُ فَلَوْ أَرَحْتُ نَفْسِي ، فَوَضَعَ جَنْبَهُ إلَى الْأَرْضِ فَرَأَى فِي مَنَامِهِ شَخْصًا فَتَلَا عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا ﴾ الْآيَةَ فَاسْتَيْقَظَ فَازِعًا وَعَلِمَ أَنَّهُ الْمُرَادُ فَأَيْقَظَ أَبَا هَارُونَ فَقَالَ لَهُ : سَأَلْتُكَ بِاَللَّهِ هَلْ أَتَيْتَ كَبِيرَةً قَطُّ ؟ .
قَالَ : لَا يَا ابْنَ أَخِي وَلَا صَغِيرَةً عَنْ عَمْدٍ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، فَقَالَ أَبُو عَقَّالٍ : لِهَذَا تَنَامُ أَنْتَ وَلَا يَصْلُحُ لِمِثْلِي إلَّا الْكَدُّ وَالِاجْتِهَادُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ مَرَّ بَعْضُ الْمُلُوكِ بِبُقْرَاطَ الْحَكِيمِ نَائِمًا فَرَكَضَهُ بِرِجْلِهِ قَالَ : قُمْ ، فَقَامَ غَيْرَ مُرْتَاعٍ مِنْهُ وَلَا مُلْتَفِتٍ إلَيْهِ ، فَقَالَ لَهُ : أَلَا تَعْرِفُنِي ؟ قَالَ : لَا وَلَكِنِّي أَرَى فِيكَ طَبْعَ الدَّوَابِّ لِأَنَّهَا تَرْكُضُ بِأَرْجُلِهَا فَغَضِبَ فَقَالَ : أَتَقُولُ لِي هَذَا وَأَنْتَ عَبْدِي ، فَقَالَ لَهُ بُقْرَاطُ : بَلْ أَنْتَ عَبْدُ عَبْدِي قَالَ : وَكَيْفَ ذَلِكَ ؟ قَالَ لِأَنَّ شَهَوَاتِكَ قَدْ مَلَكَتْكَ وَأَنَا مَلَكْتُ الشَّهَوَاتِ ، فَقَالَ أَنَا الْمَلِكُ ابْنُ سَادَاتِ الْأَمْلَاكِ أَمْلِكُ كَذَا وَكَذَا مِنْ الْبِلَادِ وَكَذَا وَكَذَا مِنْ الرِّجَالِ وَكَذَا وَكَذَا مِنْ الْأَمْوَالِ ، قَالَ : أَرَاك تَفْتَخِرُ بِمَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِكَ ،