باب في الزهد والرغبة في الإسلام
الجزء ٣٢ · صفحة ٤٧٦وَإِنَّمَا سَبِيلُكَ أَنْ تَفْتَخِرَ عَلَيَّ بِنَفْسِكَ وَلَكِنْ تَعَالَ نَخْلَعُ ثِيَابَنَا وَنَتَرَامَى فِي هَذَا النَّهْرِ وَنَتَكَلَّمُ فَحِينَئِذٍ يَتَبَيَّنُ الْفَاضِلُ وَالْمَفْضُولُ .
وَعَنْ الْجَاحِظِ أَنَّهُ وَجَدَ مَكْتُوبًا عَلَى حَجَرٍ : يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ رَأَيْتَ يَسِيرَ مَا بَقِيَ مِنْ أَجَلِكَ لَزَهِدْتَ فِي طُولِ مَا تَرْجُو مِنْ أَمَلِكَ وَلَرَغِبْتَ فِي الزِّيَادَةِ مِنْ عَمَلِكَ وَلَقَصَرْتَ مِنْ حِرْصِكَ وَحِيَلِكَ ، وَإِنَّمَا يَلْقَاكَ غَدًا نَدَمُكَ وَقَدْ زَلَّتْ بِكَ قَدَمُكَ وَصَرَمَكَ أَهْلُكَ وَحَشَمُكَ وَتَبَرَّأَ مِنْ صُحْبَتِكَ الْقَرِيبُ ، وَانْصَرَفَ عَنْكَ الْحَبِيبُ فَلَا أَنْتَ فِي عَمَلِكَ زَائِدٌ وَلَا إلَى أَهْلِكَ عَائِدٌ وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ الزَّاهِدُ فِي الدُّنْيَا نَظَرَهُ عِبْرَةٌ وَكَلَامُهُ فِيهَا حِكْمَةٌ وَسُكُوتُهُ فِيهَا فِكْرَةٌ ، يَصْبِرُ عِنْدَ الْبَلَاءِ ، وَيَشْكُرُ عِنْدَ الرَّخَاءِ ، وَيَرْضَى بِجَمِيعِ الْقَضَاءِ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ : الزَّاهِدُ الصَّادِقُ قُوتُهُ مَا وَجَدَ ، وَلِبَاسُهُ مَا سَتَرَ وَمَسْكَنُهُ حَيْثُ أَدْرَكَ ، الدُّنْيَا سِجْنُهُ ، وَالْقَبْرُ مَضْجَعُهُ ، وَالْخَلْوَةُ مَجْلِسُهُ ، وَالِاعْتِبَارُ فِكْرُهُ ، وَالْقُرْآنُ حَدِيثُهُ ، وَالزُّهْدُ قَرِينُهُ ، وَالْحُزْنُ شَأْنُهُ ، وَالتَّقْوَى إرَادَتُهُ وَالصَّمْتُ غَنِيمَتُهُ ، وَالصَّبْرُ مُعْتَمَدُهُ ، وَالتَّوَكُّلُ حَسْبُهُ ، وَالْعَقْلُ دَلِيلُهُ وَالْعِبَادَةُ حِرْفَتُهُ ، وَالْجَنَّةُ مَبْلَغُهُ ، وَقِيلَ لِبَعْضِ الزُّهَّادِ : مَا بَالُكَ تَمْشِي عَلَى عَصَا وَلَسْتَ بِكَبِيرٍ وَلَا مَرِيضٍ ؟ قَالَ : إنِّي مُسَافِرٌ وَإِنَّهَا دَارُ بُلْغَةٍ وَالْعَصَا مِنْ آلَاتِ السَّفَرِ ، وَهَذَا كَمَا قِيلَ لِأَبِي مُقَرِّعٍ : لِمَ تُمْسِكُ الْعَصَا دَائِمًا ؟ .
فَقَالَ وَمَا مَسَكَتْ يَدَيَّ الْعِصِيَّ عَنْ إهَانَةٍ وَلَا اضْطَرَّنِي ضَعْفٌ إلَيْهَا وَلَا ضَرَرْ وَلَكِنَّنِي فِي حَقِّ نَفْسِي حَبَسْتُهَا لِأُعْلِمَهَا أَنَّ الْمُقِيمَ عَلَى سَفَرٍ وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿ إذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا زَهَّدَهُ فِي الدُّنْيَا وَرَغَّبَهُ فِي الْآخِرَةِ وَبَصَّرَهُ عُيُوبَ نَفْسِهِ ﴾ وَقَالَ