شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

باب في الزهد والرغبة في الإسلام

الجزء ٣٢ · صفحة ٤٧٩

دَعَوْتَ اللَّهَ حَتَّى يُخَلِّصَكَ مِنْ شَهْوَةِ الرُّمَّانِ فَإِنَّ لَسْعَ الزَّنَابِيرِ عَلَى النُّفُوسِ أَيْسَرُ مِنْ لَدْغِ الشَّهَوَاتِ عَلَى الْقُلُوبِ وَعَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ : الزُّهْدُ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ زَايٌ وَهَاءٌ وَدَالٌ ، فَالزَّايُ تَرْكُ زِينَةِ الدُّنْيَا ، وَالْهَاءُ تَرْكُ هَوَاهَا ، وَالدَّالُ تَرْكُ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا حَلَالِهَا وَحَرَامِهَا إلَّا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ حَلَالِهَا ، وَإِذَا كَانَ هَكَذَا سُمِّيَ زَاهِدًا وَقِيلَ لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ مَا الزُّهْدُ ؟ قَالَ : التَّقْوَى ، وَعَنْ بَعْضِ الْحُكَمَاءِ : الزُّهْدُ زُهْدَانِ : زُهْدٌ فِي الدُّنْيَا وَزُهْدٌ فِي الرِّيَاسَةِ وَمَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا وَلَمْ يَزْهَدْ فِي الرِّيَاسَةِ لَمْ يَنْفَعْهُ زُهْدُهُ فِي الدُّنْيَا ، وَعَلَى زُهْدٍ فِي الرِّيَاسَةِ فَهُوَ زَاهِدٌ فِي الدُّنْيَا وَفِيهِ نَظَرٌ لِبُعْدِ تَسْمِيَتِهِ زَاهِدًا إذَا تَرَكَ الرِّيَاسَةَ وَانْهَمَكَ فِي جَمْعِ الْمَالِ الْحَرَامِ وَاتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ أَوْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكَ قَلِيلًا .

وَعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا رَاحَةُ الْقَلْبِ وَالْبَدَنِ ، وَهَذَا تَعْرِيفُ الزُّهْدِ أَوْ إخْبَارٌ بِحَالِ الزُّهْدِ ، قَالَ الدَّارَانِيُّ : لَيْسَ الزَّاهِدُ مَنْ نَفَى هُمُومَ الدُّنْيَا وَاسْتَرَاحَ مِنْهَا إنَّمَا الزَّاهِدُ مَنْ زَهِدَ فِيهَا وَتَعِبَ فِيهَا لِلْآخِرَةِ ، وَقِيلَ لِبَعْضِهِمْ مَا رَأْسُ الزَّهَادَةِ ؟ قَالَ : أَخْذُ الْأَشْيَاءِ مِنْ حِلِّهَا وَوَضْعُهَا فِي حَقِّهَا ، وَعَنْ بَعْضِ الْحُكَمَاءِ : الزُّهْدُ فِي الرِّيَاسَةِ أَشَدُّ مِنْ الزُّهْدِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِأَنَّهُمَا قَدْ يَبْذُلُهُمَا الْمَرْءُ فِي طَلَبِ الرِّيَاسَةِ ، وَقَالَ الدَّارَانِيُّ : مَا شَغَلَكَ عَنْ اللَّهِ مِنْ أَهْلٍ وَمَالٍ فَهُوَ عَلَيْكَ مَشْئُومٌ ، فَالزُّهْدُ عِنْدَنَا يَعْنِي عِنْدَ الْعَارِفِينَ بِاَللَّهِ تَعَالَى : تَرْكُ كُلِّ شَيْءٍ يَشْغَلُكَ عَنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَقِيلَ لِيَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ : مَتَى يَكُونُ الرَّجُلُ زَاهِدًا ؟ قَالَ إذَا بَلَغَ حِرْصُهُ فِي الدُّنْيَا كَحِرْصِ الْحَرِيصِ عَلَى طَلَبِهَا { وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

١٥٬٩٧٩ / ١٧٬٤٣٨