شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

باب في الزهد والرغبة في الإسلام

الجزء ٣٢ · صفحة ٤٨٠

وَسَلَّمَ عَنْ الزُّهْدِ فَقَالَ : أَمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِإِضَاعَةِ الْمَالِ وَلَا بِتَحْرِيمِ الْحَلَالِ ، وَلَكِنْ أَنْ تَكُونَ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ أَوْثَقَ مِنْكَ بِمَا فِي يَدِكَ ، وَأَنْ يَكُونَ ثَوَابُ الْمُصِيبَةِ أَرْجَحَ عِنْدَكَ } .

وَقِيلَ : الزُّهْدُ لُغَةً ، الْإِعْرَاضُ عَنْ الشَّيْءِ احْتِقَارًا لَهُ ، وَشَرْعًا أَخْذُ قَدْرِ الضَّرُورَةِ مِنْ الْمَالِ الْمُتَيَقَّنِ الْحِلِّ فَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الْوَرَعِ إذْ هُوَ تَرْكُ الْمُشْتَبَهِ وَقِيلَ : وَتَرْكُ الدُّنْيَا عَنْ قُدْرَةٍ ، وَلَقَدْ قَالَ الطِّيبِيُّ : لَا يُتَصَوَّرُ الزُّهْدُ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ مَالٌ وَلَا جَاهٌ ، وَقِيلَ لِابْنِ الْمُبَارَكِ ، يَا زَاهِدُ ، قَالَ الزَّاهِدُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إذْ جَاءَتْهُ الدُّنْيَا رَاغِمَةً فَتَرَكَهَا ، أَمَّا أَنَا فَفِيمَ زَهِدْتُ ؟ وَقِيلَ : الزُّهْدُ تَفْرِيقُ الْمَجْمُوعِ وَتَرْكُ طَلَبِ الْمَفْقُودِ وَالْإِيثَارُ عِنْدَ الْقُوَّةِ ، وَقَالَ أَبُو يَزِيدَ : مَا غَلَبَنِي أَحَدُ مَا غَلَبَنِي شَابٌّ مِنْ أَهْلِ بَلْخِي مَرَّ عَلَيْنَا حَاجًّا فَقَالَ : يَا أَبَا يَزِيدَ مَا حَدُّ الزُّهْدِ عِنْدَكُمْ ؟ فَقُلْتُ : إذَا وَجَدْنَا أَكَلْنَا وَإِذَا فَقَدْنَا صَبَرْنَا ، فَقَالَ هَكَذَا كِلَابُ بَلْخَ عِنْدَنَا ، قُلْتُ : فَمَا حَدُّ الزُّهْدِ عِنْدَكُمْ ؟ فَقَالَ : إذَا فَقَدْنَا شَكَرْنَا وَإِذَا وَجَدْنَا آثَرْنَا وَقِيلَ : الزُّهْدُ النَّظَرُ إلَى الدُّنْيَا بِعَيْنِ احْتِقَارٍ فَتَصْغُرُ فِي عَيْنَيْكَ وَيَسْهُلُ عَلَيْكَ الْإِعْرَاضُ عَنْهَا ، وَقِيلَ : الزُّهْدُ قَصْرُ الْأَمَلِ وَالْإِيَاسُ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الضَّحَّاكُ : ﴿ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَزْهَدُ النَّاسِ : قَالَ : مَنْ لَمْ يَنْسَ الْقَبْرَ وَالْبَلَاءَ وَتَرَكَ فُضُولَ زِينَةِ الدُّنْيَا ، وَآثَرَ مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى ، وَمَنْ لَمْ يَعُدَّ مِنْ أَيَّامِهِ غَدًا ، وَعَدَّ نَفْسَهُ مِنْ الْمَوْتَى ﴾ وَقِيلَ : الزُّهْدُ أَنْ لَا تَحْزَنَ عَلَى مَا فَاتَ مِنْ الدُّنْيَا وَلَا تَفْرَحَ بِمَا أَتَاكَ مِنْهَا وَأَحْسَنُ حُدُودِهِ كَمَا قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ : إنَّهُ فَرَاغُ الْقَلْبِ مِنْ الدُّنْيَا لَا فَرَاغُ الْيَدِ وَهَذَا

١٥٬٩٨٠ / ١٧٬٤٣٨