شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

باب في الزهد والرغبة في الإسلام

الجزء ٣٣ · صفحة ١٧

اخْتِيَارِهِ وَاجْتَمَعَتْ عَلَى النِّسْيَانِ أَنَّهُ مَحْطُوطٌ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ إلَّا شَوَاذَّ ذَهَبَ بِهِمْ الرُّجُوعُ عَنْ الْعِلْمِ ، وَلَيْسَ النِّسْيَانُ بِالرُّجُوعِ عَنْ الْعِلْمِ فِي شَيْءٍ ، وَالرُّجُوعُ عَنْ الْعِلْمِ أَنْ يَقْصِدَ إلَى مَا أَقَرَّ بِهِ فَيُنْكِرَهُ عَلَى عِلْمٍ بِإِقْرَارِهِ أَوْ تَخْطِئَةُ مَا صَوَّبَهُ أَوْ تَصْوِيبُ مَا خَطَّأَهُ ، وَالرَّبُّ تَعَالَى يَتَجَاوَزُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ ، فَكَيْفَ بِأَمْرٍ قَدْ سَقَطَ عَنْ أَذْهَانِهِمْ وَأَوْهَامِهِمْ لَا بِاخْتِيَارِهِمْ ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ صِفَةِ الْحَكِيمِ الرَّءُوفِ الرَّحِيمِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو خرز يَغْلَى بْنُ زلتاف رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إنَّ مَا سَقَطَ عَنْ وَهْمِ الْإِنْسَانِ لَا يُؤْخَذُ بِهِ فَأَيْنَ ذَهَبَ بِهِمْ وَبِمَنْ قَالَ بِخِلَافِهِ وَهُوَ الْإِمَامُ الْغَايَةُ الْقُصْوَى وَالرَّبُّ تَعَالَى جَعَلَ حُطُوطَ النِّسْيَانِ عَنْهُمْ مَثَابَةً لَهُمْ حِينَ آمَنُوا كُلُّهُمْ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ قَوْلُهُمْ : ﴿ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾ فَرَغِبُوا فِي الْمَغْفِرَةِ فَبَشَّرَهُمْ أَنَّهُ : ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾ فَلَمَّا خَفَّفَ عَنْهُمْ سَأَلُوهُ تَرْكَ النِّسْيَانِ فَقَالُوا : ﴿ لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾ فَمَا بَالُ الشِّدَّةِ فِي أَوَّلِ مَوْهِبَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِلْمُؤْمِنِينَ ؟ وَجُلُّ الْعُلَمَاءِ وَالْمُفَسِّرِينَ يَذْهَبُونَ فِي هَذَا الْخَطَأِ إلَى الْعَمْدِ يَقُولُونَ : إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا تَرَكْنَا أَوْ تَعَمَّدْنَا .

وَقَالَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ لِلْخِضْرِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ﴿ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ﴾ فَأَوْجَبَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْخِضْرِ لَوْ فَعَلَ إرْهَاقُ عُسْرٍ وَلَا يَلِيقُ بِالْحَكِيمِ الرَّحِيمِ ، وَقَوْلُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : ﴿ وَمَا أَنْسَانِيهُ إلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ﴾ فَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى مَعْذِرَةً لِلْمُؤْمِنِينَ فِي أَمْرٍ نَسَوْهُ إحَالَةَ الذَّنْبِ

١٦٬٠١٧ / ١٧٬٤٣٨