فصل في الأشر والبطر
الجزء ٣٣ · صفحة ٧٤وَالْبَادِئُ أَشَدُّ ظُلْمًا ؛ لِأَنَّ الْمَشْتُومَ غَيْرُ مُشْرِكٍ ، وَالشَّاتِمُ لَهُ بِالشِّرْكِ لَا يَكُونُ بِشَتْمِهِ بِهِ مُشْرِكًا بَلْ مُنَافِقًا ، وَأَمَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْكُفْرِ النِّفَاقَ فَأَظْلَمُ بِمَعْنَى ظَالِمٍ ؛ لِأَنَّ الْمَشْتُومَ لَا يَعْصِي أَصْلًا بِقَوْلِهِ : أَنْتَ الْكَافِرُ ؛ لِأَنَّ شَاتِمَهُ قَدْ كَفَرَ بِشَتْمِهِ بِمَا لَيْسَ فِيهِ ، وَقَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِأَشْيَاءَ لَا تَجُوزُ الْمُقَابَلَةُ بِهَا كَالْغِيبَةِ ، لَا تُقَابَلُ الْغِيبَةُ بِالْغِيبَةِ ، وَلَا الشِّرْكُ بِالشِّرْكِ ، وَلَا الْقَذْفُ بِالْقَذْفِ ، وَلَا التَّجَسُّسُ بِالتَّجَسُّسِ ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ مُقَابَلَةُ الْإِنْسَانِ بِمَا فِيهِ مِنْ سُوءٍ وَبِمَا يُوَصِّلُهُ إلَيْهِ قَوْلُهُ أَوْ فِعْلُهُ ، وَلَا السَّبُّ بِالسَّبِّ ، مِثْلَ السَّبِّ بِالْآبَاءِ أَوْ الْأُمَّهَاتِ أَوْ بِالْقَبَائِلِ أَوْ بِالصَّنَائِعِ .
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ الْمُتَسَابَّانِ شَيْطَانَانِ يَتَهَاتَرَانِ ﴾ ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ وَإِنْ امْرُؤٌ عَيَّرَكَ بِمَا فِيكَ فَلَا تُعَيِّرْهُ بِمَا فِيهِ ﴾ وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا شَتَمَ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ سَاكِتٌ ، فَلَمَّا بَدَأَ يَنْتَصِرُ قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : إنَّكَ كُنْتَ سَاكِتًا لَمَّا شَتَمَنِي فَلَمَّا تَكَلَّمْتُ قُمْتَ ، ، قَالَ ﴿ كَانَ يُجِيبُ عَنْكَ مَلَكٌ ، فَلَمَّا تَكَلَّمْتَ ذَهَبَ الْمَلَكُ وَجَاءَ الشَّيْطَانُ فَلَمْ أَكُنْ لِأَجْلِسَ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ الشَّيْطَانُ ﴾ ، وَقَالَ قَوْمٌ تَجُوزُ الْمُقَابَلَةُ بِمَا لَا كَذِبَ فِيهِ ، وَنَهْيُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ التَّعْيِيرِ بِمِثْلِهِ نَهْيُ تَنْزِيهٍ لِقَرِينَةِ قَوْله تَعَالَى : ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ﴾ وَنَحْوِهِ ، وَالْأَفْضَلُ تَرْكُهُ لَكِنَّهُ لَا يَعْصِي بِهِ ، وَاَلَّذِي رُخِّصَ فِيهِ أَنْ يَقُولَ : مَنْ أَنْتَ وَهَلْ أَنْتَ إلَّا مِنْ بَنِي فُلَانٍ ، قَالَ سَعْدٌ لِابْنِ مَسْعُودٍ : هَلْ أَنْتَ إلَّا مِنْ بَنِي هُذَيْلٌ ؟ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : هَلْ أَنْتَ إلَّا مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ ؟ وَمِثْلُ قَوْلِهِ : يَا