فصل في الغيبة
الجزء ٣٣ · صفحة ٨٥وَمُسْتَمِعُ الْغِيبَةِ شَرِيكٌ لِلْمُغْتَابِ ، وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ فَلْيَعْتَزِلْ إنْ أَمْكَنَتْ الْعُزْلَةُ ، وَإِنْ قَالَ بِلِسَانِهِ اُسْكُتْ وَقَلْبُهُ يَشْتَهِي سَمَاعَ ذَلِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ نِفَاقٌ إنْ اسْتَمَعَ ، وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿ الْمُسْتَمِعُ أَحَدُ الْمُغْتَابِينَ ﴾ قَالَ بَعْضٌ : لَأَنْ أَدَعَ الْغِيبَةَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ لِي الدُّنْيَا مُنْذُ خُلِقَتْ إلَى أَنْ تَفْنَ فَأَجْعَلُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ مَنْ ذَبَّ عَنْ لَحْمِ أَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُحَرِّمَ لَحْمَهُ عَلَى النَّارِ ﴾ وَأَخْسِسْ بِأَخٍ يَرَى الْكُلَّابَ تُمَزِّقُ لَحْمَ أَخِيهِ وَلَا تُحَرِّكُهُ الشَّفَقَةُ عَلَى الذَّبِّ عَنْهُ ، وَيُقَالُ : مَثَلُ مَنْ يَغْتَابُ النَّاسَ كَمَثَلِ الْجُعْلِ يَعْجَزُ عَنْ نَيْلِ الطَّرَائِفِ وَيَنْكَبُّ عَلَى الْعَذِرَةِ ، فَالْغِيبَةُ مَرْتَعُ الشَّيَاطِينِ وَإِدَامُ أَلْسِنَةِ الْغَافِلِينَ وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : هَاجَ رِيحٌ مُنْتِنَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ﴿ إنَّ نَاسًا مِنْ الْمُنَافِقِينَ قَدْ اغْتَابُوا أُنَاسًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ، فَلِذَلِكَ هَاجَتْ الرِّيحُ ﴾ وَقِيلَ لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ : إنَّ رِيحَ الْغِيبَةِ وَنَتَنِهَا كَانَ يَتَبَيَّنُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَتَبَيَّنُ فِي وَقْتِنَا هَذَا .
قَالَ : لِأَنَّ الْغِيبَةَ قَدْ كَثُرَتْ فِي وَقْتِنَا هَذَا فَلَمْ يَتَبَيَّنْ رِيحُهَا ، وَمَثَلُ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ دَخَلَ دَارَ الدَّبَّاغِينَ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْقَرَارِ فِيهَا مِنْ شِدَّةِ تِلْكَ الرَّائِحَةِ ، وَأَهْلُ تِلْكَ الدِّيَارِ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ فِيهَا ، وَلَا تَتَبَيَّنُ لَهُمْ تِلْكَ الرَّائِحَةُ ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ امْتَلَأَتْ أُنُوفُهُمْ مِنْهَا ، فَكَذَلِكَ أَمْرُ الْغِيبَةِ فِي زَمَانِنَا ، هَذَا وَرُوِيَ أَنَّ إبْرَاهِيمَ بْنَ أَدْهَمَ أَضَافَ نَاسًا فَلَمَّا قَعَدُوا عَلَى الطَّعَامِ جَعَلُوا يَتَنَاوَلُونَ رِجَالًا فَقَالَ لَهُمْ إبْرَاهِيمُ : إنَّ الَّذِينَ