فصل في الغيبة
الجزء ٣٣ · صفحة ٩٦يَغْفِرُ لَنَا ، اللَّهُ يُصْلِحُهُ ، نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ ، نَحْمَدُ اللَّهُ الَّذِي لَمْ يَبْتَلِنَا بِالدُّخُولِ عَلَى الظَّلَمَةِ ، نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْكِبْرِ ، يُعَافِينَا اللَّهُ مِنْ قِلَّةِ الْحَيَاءِ ، اللَّهُ يَتُوبُ عَلَيْنَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يُنْقِصُهُ ، فَكُلُّ ذَلِكَ غِيبَةٌ مُحَرَّمَةٌ .
قَالَ الْغَزَالِيُّ : اعْلَمْ أَنَّ الذِّكْرَ بِاللِّسَانِ إنَّمَا حُرِّمَ ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَنْقِيصَ الْغَيْرِ فَالتَّعْرِيضُ بِهِ كَالتَّصْرِيحِ ، وَالْفِعْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ وَالْإِشَارَةِ وَالْإِيمَاءِ وَالْغَمْزِ وَالرَّمْزِ وَالْكِتَابَةِ وَالْحَرَكَةِ وَكُلُّ مَا يُفْهِمُ الْمَقْصُودَ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْغِيبَةِ وَهُوَ حَرَامٌ ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : دَخَلَتْ عَلَيْنَا امْرَأَةٌ فَلَمَّا وَلَّتْ أَوْمَأْتُ بِيَدِي أَنَّهَا قَصِيرَةٌ ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ﴿ اغْتَبْتِهَا ﴾ ، وَالْمُحَاكَاةُ مِثْلُ أَنْ يَمْشِيَ مُتَعَارِجًا أَشَدُّ مِنْ غِيبَةِ اللِّسَانِ فِي نَوْعِ مَا يُحَاكِي لَوْ اغْتَابَهُ فِيهِ بِاللِّسَانِ ؛ لِأَنَّ الْمُحَاكَاةَ أَعْظَمُ فِي التَّصْوِيرِ وَالتَّفْهِيمِ وَلَمَّا [ رَآهَا ] صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاكَتْ قَالَ : ﴿ مَا يَسُرُّنِي أَنِّي حَاكَيْتُ وَلِي كَذَا أَوْ كَذَا ﴾ وَيَدُلُّ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْغِيبَةِ بِالْكِتَابِ مَا ثَبَتَ أَنَّ الْكِتَابَةَ كَلَامٌ لِحَدِيثِ : ﴿ الْقَلَمُ أَحَدُ اللِّسَانَيْنِ ﴾ فَالْمُؤَلِّفُ مُغْتَابٌ إذَا عَيَّنَ أَحَدًا وَقَدَحَ فِي كَلَامِهِ لِقَصْدِ تَنْقِيصِهِ لَا لِرَدِّ الْبِدْعَةِ إنْ ابْتَدَعَ .
وَمَنْ كَتَبَ أَوْ تَكَلَّمَ بِلَا تَصْرِيحٍ لَكِنْ ذَكَرَ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْمُغْتَابُ فَقَدْ اغْتَابَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : بَعْضُ مَنْ مَرَّ بِنَا الْيَوْمَ ، إذَا كَانَ الْمُخَاطَبُ يَفْهَمُ الْمُرَادَ ، وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ﴿ مَا بَالُ أَقْوَامٍ ﴾ وَلَا يُعَيِّنُ ، وَأَخْبَثُ الْغِيبَةِ غِيبَةُ قَارِئٍ أَوْ عَابِدٍ يَغْتَابُ غَيْرَهُ مُزَكِّيًا لِنَفْسِهِ مُرَائِيًا ؛ مِثْل أَنْ يَفْهَمَ الْمُرَادَ بِلَا تَصْرِيحٍ مُدَّعِيًا التَّعَفُّفَ عَنْ الْغِيبَةِ يَقُولُ : مَا