فصل في الملامة
الجزء ٣٣ · صفحة ١٨٠وَجْهِهِ عُقُوبَةٌ لَا تَكُونُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَالْخَدْشُ أَوْ الْخَمْشُ وَالْكَدْحُ مِثْلُ ذَلِكَ أَوْ دُونَهُ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا مَكْرُوهًا مَا عُوقِبَ بِذَلِكَ ، فَإِنَّ الْعِقَابَ يَخْتَصُّ بِالْكَبِيرَةِ إذْ الْمَكْرُوهُ لَا عِقَابَ فِيهِ ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ سَائِرُ الْأَحَادِيثِ إلَّا أَنْ يُقَالَ كَرَاهَةٌ شَدِيدَةٌ تَلْحَقُ بِالتَّحْرِيمِ ، وَظَاهِرُ السُّؤَالَاتِ أَنَّ السُّؤَالَ إمَّا مُبَاحٌ أَوْ حَرَامٌ فَيَحْمِلُ الْأَحَادِيثَ وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْهَا كُلَّهَا عَلَى التَّحْرِيمِ ، وَفِي الْقَنَاطِرِ : أَنَّهُ يَكُونُ أَيْضًا مَكْرُوهًا ، وَإِنْ قُلْتَ : مَا مَعْنَى عَنْ ظَهْرِ غِنًى ؟ قُلْتُ : شَبَّهَ فِي نَفْسِهِ الْغَنِيَّ بِالدَّابَّةِ بِجَامِعِ الِانْتِفَاعِ بِكُلٍّ ، وَالتَّوَصُّلِ بِكُلٍّ إلَى الْمَقْصُودِ وَالْكِفَايَةِ بِكُلٍّ عَنْ غَيْرِهِ ، وَأَشَارَ إلَى ذَلِكَ بِلَازِمِ الدَّابَّةِ وَهُوَ الظَّهْرُ ، وَكَأَنَّهُ قَالَ : مَنْ سَأَلَ حَالَ كَوْنِهِ مُنْتَقِلًا عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَنَازِلًا وَلَمْ يَجْعَلْهُ حَاجِزًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعُقُوبَةِ بِمَا ذُكِرَ وَلَمْ يَقُلْ مَنْ سَأَلَ عَنْ غِنًى ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ الْمَعْنَى وَيَحْتَمِلُ مَعْنًى آخَرَ أَيْ : سَأَلَ بِسَبَبِ الْغِنَى لِيُحَصِّلَهُ .
وَإِنْ قُلْتَ : مَا وَجْهُ الِاشْتِرَاطِ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿ : حَتَّى يَشْهَدَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ ﴾ ؟ قُلْتُ : اشْتِرَاطُ الشَّهَادَةِ لِيُزِيلَ السَّائِلُ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ التُّهْمَةَ بِإِرَادَةِ التَّكَاثُرِ وَبِاقْتِحَامِ عَارِ السُّؤَالِ ، فَإِنَّهُ عَارٌ عَادَةً وَشَرْعًا وَاقْتِحَامُ عُقُوبَتِهِ ، وَلِيَكُونَ أَدْعَى لِلْإِعْطَاءِ ، وَاشْتِرَاطُ الثَّلَاثِ تَسْهِيلًا لَهُ بِأَنْ يَكْفِيَ فِي ذَلِكَ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنْ أَهْلِ الْجُمْلَةِ وَلَمْ يُكَلِّفْهُ بِعَدْلَيْنِ مُرْضِيَّيْنِ ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِنْ أَهْلِ الْحِجَا أَيْ الْعَقْلِ ، وَلَمْ يَقُلْ مِنْ أَهْلِ الْبِرِّ وَالصَّلَاحِ ، وَقَالَ : مِنْ قَوْمِهِ ، بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ وَالْمُتَبَادِرِ ؛ لِأَنَّهُمْ أَعْرَفُ بِحَالِهِ مِنْ