شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

فصل في الملامة

الجزء ٣٣ · صفحة ١٨٧

قَالَ : فَإِذَا نَحْنُ بِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَقَدْ خَرَجَ مَعَنَا بِهِ أَدْمَةٌ فِي شَعْرِهِ وَهُوَ مُصْفَرُّ اللَّوْنِ ذَهَبَ الدَّمُ مِنْ وَجْهِهِ مِمَّا بَلَغَتْ فِيهِ الْعِبَادَةُ ، وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ خَلِقَةٌ مِنْ رِقَاعٍ شَتَّى ، وَبِيَدِهِ عَصًى وَمَعَهُ مِزْوَدٌ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الزَّادِ وَهُوَ أُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ وَأَنْكَرَهُ أَهْلُ الرُّفْقَةِ وَقَالُوا : نَظُنُّكَ عَبْدًا قَالَ : نَعَمْ ، قَالُوا : مَمْلُوكٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالُوا : نَظُنُّ أَنَّكَ عَبْدُ سُوءٍ هَرَبَتْ مِنْ مَوْلَاكَ ؟ قَالَ لَهُمْ : نَعَمْ قَالُوا : كَيْفَ رَأَيْتَ نَفْسَكَ حِينَ هَرَبْتَ مِنْ مَوْلَاكَ وَمَا صَارَ حَالُكَ إلَيْهِ ؟ أَمَّا إنَّكَ لَوْ أَقَمْتَ عِنْدَهُ مَا كَانَتْ حَالَتُكَ هَذِهِ ؟ وَإِنَّمَا أَنْتَ عَبْدُ سُوءٍ مُقَصِّرٌ ، فَقَالَ لَهُمْ : نَعَمْ وَاَللَّهِ إنِّي لَعَبْدُ سُوءٍ وَنِعْمَ الْمَوْلَى مَوْلَايَ وَمِنْ قِبَلِي التَّقْصِيرُ ، وَلَوْ أَطَعْتُهُ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِي هَذَا ، وَجَعَلَ يَبْكِي حَتَّى كَادَتْ نَفْسُهُ تُزْهَقُ فَرَحِمَهُ الْقَوْمُ وَظَنُّوا أَنَّهُ مَوْلَى ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ عَبْدٌ لِرَبِّ الْعِزَّةِ جَلَّ وَعَلَا فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ الْقَافِلَةِ : لَا تَخَفْ أَنَا آخُذُ لَكَ مِنْ مَوْلَاكَ الْأَمَانَ فَارْجِعْ إلَيْهِ وَتُبْ فَقَالَ : أَنَا رَاجِعٌ إلَيْهِ وَرَاغِبٌ فِيمَا عِنْدَهُ وَمَضَوْا حَتَّى خَرَجُوا إلَى زِيَارَةِ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَارَتْ الْقَافِلَةُ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَسَارَ مَعَهُمْ وَجَدُّوا فِي الْمَسِيرَةِ .

وَلَمَّا كَانُوا لَيْلًا نَزَلُوا فِي فَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ ، وَكَانَتْ لَيْلَةً شَاتِيَةً بَارِدَةً كَثِيرَةَ الْمَطَرِ ، فَآوَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَافِلَةِ إلَى رَحْلِهِ وَخِبَائِهِ وَلَمْ يَأْوِ أُوَيْسٌ إلَى شَيْءٍ وَلَمْ يَسْأَلْ شَيْئًا وَقَدْ آلَى عَلَى نَفْسِهِ أَنْ لَا يَسْأَلَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا مِنْ مَخْلُوقٍ ، وَإِنَّمَا تَكُونُ حَوَائِجُهُ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَبَلَغَ بِهِ الْبَرْدُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ مَبْلَغًا شَدِيدًا حَتَّى اضْطَرَبَتْ جَوَارِحُهُ مِنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ سُلْطَانُ الْبَرْدِ

١٦٬١٨٧ / ١٧٬٤٣٨