شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

فصل في الملامة

الجزء ٣٣ · صفحة ١٨٨

حَتَّى مَاتَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ ، وَلَمَّا أَصْبَحَ وَأَرَادُوا الرَّحِيلَ نَادَوْهُ : قُمْ أَيُّهَا الرَّجُلُ فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ رَحَلُوا فَأَتَاهُ رَجُلٌ قَرِيبٌ مِنْهُ فَحَرَّكَهُ فَوَجَدَهُ مَيِّتًا رَحِمَهُ اللَّهُ ، فَنَادَى : يَا أَهْلَ الْقَافِلَةِ إنَّ الْعَبْدَ الْآبِقَ عَلَى سَيِّدِهِ قَدْ مَاتَ وَلَا يَصْلُحُ لَنَا الرَّحِيلُ حَتَّى تَدْفِنُوهُ قَالُوا : وَمَا الْحِيلَةُ فِي أَمْرِهِ ؟ .

فَقَالَ لَهُمْ رَجُلٌ صَالِحٌ كَانَ مَعَهُمْ : إنَّ هَذَا الْعَبْدَ كَانَ تَائِبًا رَاجَعَا إلَى مَوْلَاهُ نَادِمًا عَلَى مَا صَنَعَ وَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ يَنْفَعَنَا اللَّهُ بِهِ ، وَقَدْ قِبَلَ تَوْبَتَهُ ، وَنَخَافُ أَنْ نَسْأَلَ عَنْهُ إنْ تَرَكْنَاهُ غَيْرَ مَدْفُونٍ وَلَا بُدَّ لَكُمْ أَنْ تَصْبِرُوا حَتَّى تَحْفِرُوا لَهُ قَبْرًا وَتَدْفِنُوهُ فِيهِ ، فَقَالُوا : هَذَا مَوْضِعٌ لَيْسَ فِيهِ مَاءٌ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : اسْأَلُوا الدَّلِيلَ فَسَأَلُوهُ فَقَالَ : إنَّ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْمَاءِ سَاعَةً وَلَكِنْ أَرْسِلُوا مَعِي رَجُلًا وَاحِدًا وَإِنَاءً آتِيكُمْ بِالْمَاءِ فَأَخَذَ الدَّلِيلُ دَلْوًا وَسَارَ إلَى الْمَاءِ .

وَلَمَّا خَرَجَ مِنْ الْقَافِلَةِ إذَا هُوَ بِغَدِيرٍ مِنْ الْمَاءِ فَقَالَ الدَّلِيلُ : هَذَا هُوَ الْعَجَبُ الَّذِي مَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ هَذَا مَوْضِعٌ لَيْسَ فِيهِ مَاءٌ وَلَا عَلَى قَرِيبٍ مِنْهُ فَرَجَعَ إلَيْهِمْ وَقَالَ قَدْ كُفِيتُمْ الْمُؤْنَةُ فَعَلَيْكُمْ بِالْحَطَبِ ، فَجَمَعُوهُ لِيُسَخِّنُوا بِهِ الْمَاءَ مِنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ فَجَاءُوا إلَى الْمَاءِ لِيَأْخُذُوا مِنْهُ فَوَجَدُوهُ سُخْنًا يَغْلِي فَازْدَادُوا تَعَجُّبًا وَفَزِعُوا مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ وَقَالُوا : إنَّ لِهَذَا الْعَبْدِ قِصَّةً وَشَأْنًا فَأَخَذُوا فِي حَفْرِ قَبْرِهِ فَوَجَدُوا التُّرَابَ أَلْيَنَ مِنْ الزُّبْدِ وَأَشَدَّ رَائِحَةً مِنْ الْمِسْكِ الْأَذْفَرُ لَمْ يَشُمُّوا أَطْيَبَ مِنْهُ ، فَاشْتَدَّ خَوْفُهُمْ وَمُلِئُوا رُعْبًا وَضَرَبُوا لَهُ خِبَاءً وَأَدْخَلُوهُ فِيهِ وَغَسَّلُوهُ وَتَنَافَسُوا فِي كَفَنِهِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ : أَنَا أُكَفِّنُهُ ، وَقَالَ آخَرُ : أَنَا أُكَفِّنُهُ ، فَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ أَنْ يَجْعَلَ كُلُّ

١٦٬١٨٨ / ١٧٬٤٣٨