شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

خاتمة الحب لله ورسوله

الجزء ٣٣ · صفحة ٢١٧

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ : إنَّ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ خَلْقًا لَا يَشْغَلُهُمْ الْجِنَانُ وَمَا فِيهَا مِنْ النَّعِيمِ عَنْهُ ، فَكَيْفَ يَشْتَغِلُونَ بِالدُّنْيَا ؟ وَمَرَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِثَلَاثَةِ نَفَرٍ نَحِلَتْ أَبْدَانُهُمْ وَتَغَيَّرَتْ أَلْوَانُهُمْ فَقَالَ : مَا الَّذِي بَلَغَ بِكُمْ مَا أَرَى ؟ فَقَالُوا : الْخَوْفُ مِنْ النَّارِ ، قَالَ : حَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُؤَمِّنَ الْخَائِفَ ثُمَّ جَاوَزَهُمْ إلَى ثَلَاثَةٍ آخَرِينَ فَإِذَا هُمْ أَشَدُّ نُحُولًا وَتَغَيُّرًا فَقَالَ : مَا الَّذِي بَلَغَ بِكُمْ مَا أَرَى ؟ قَالُوا : الشَّوْقُ إلَى الْجَنَّةِ فَقَالَ : " حَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُعْطِيَكُمْ مَا تَرْجُونَ " ثُمَّ جَاوَزَهُمْ إلَى ثَلَاثَةٍ فَإِذَا هُمْ أَشَدُّ نُحُولًا وَتَغَيُّرًا كَأَنَّ عَلَى وُجُوهِهِمْ الْمَرَائِي مِنْ النُّورِ فَقَالَ : مَا الَّذِي بَلَغَ بِكُمْ مَا أَرَى ؟ قَالُوا : حُبُّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَقَالَ : أَنْتُمْ الْمُقَرَّبُونَ أَنْتُمْ الْمُقَرَّبُونَ .

وَقَالَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زَيْدٍ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ نَائِمٍ فِي الثَّلْجِ فَقُلْتُ أَمَا تَجِدُ الْبَرْدَ فَقَالَ : مَنْ شَغْلَهُ حُبُّ اللَّهِ لَا يَجِدُ الْبَرْدَ ، وَعَنْ سَرِيٍّ السَّقَطِيِّ : تُدْعَى الْأُمَمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنْبِيَائِهِمْ فَيُقَالُ : يَا أُمَّةَ مُوسَى ، يَا أُمَّةَ عِيسَى ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ، غَيْرَ الْمُحِبِّينَ فَيُنَادَوْنَ : يَا أَوْلِيَاءَ اللَّهِ هَلُمُّوا إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَتَكَادُ قُلُوبُهُمْ تَنْخَلِعُ فَرَحًا ، وَقَالَ هَرِمُ بْنُ حَيَّانَ : الْمُؤْمِنُ إذَا عَرَفَ رَبَّهُ عَزَّ .

وَجَلَّ أَحَبَّهُ وَأَقْبَلَ إلَيْهِ ؛ إذَا وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِقْبَالِ إلَيْهِ لَمْ يَنْظُرْ إلَى الدُّنْيَا بِعَيْنِ الشَّهْوَةِ وَلَمْ يَنْظُرْ إلَى الْآخِرَةِ بِعَيْنِ الْفَتْرَةِ ، وَيَبْقَى بِجَسَدِهِ فِي الدُّنْيَا وَبِرُوحِهِ فِي الْآخِرَةِ ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ : عَفَوْهُ يَسْتَغْرِقُ الذُّنُوبَ فَكَيْفَ رِضْوَانُهُ ؟ وَرِضْوَانُهُ يَسْتَغْرِقُ الْآمَالَ ، فَكَيْفَ حُبُّهُ ؟ وَحُبُّهُ يُدْهِشُ الْعُقُولَ ، فَكَيْفَ وُدُّهُ ؟ وَوُدُّهُ يُنْسِي مَا دُونَهُ ، فَكَيْفَ لُطْفُهُ ؟ وَفِي بَعْضِ

١٦٬٢١٧ / ١٧٬٤٣٨