فصل لا يأخذ المرء حقه بنفسه من غيره
الجزء ٣٣ · صفحة ٢٤٧قَالَ فِي الْقَنَاطِرِ : وَأَمَّا الْعَدَالَةُ فَاعْتَبَرَهَا قَوْمٌ وَقَالُوا لَيْسَ لِلْفَاسِقِ أَنْ يَحْتَسِبَ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَرُبَّمَا اسْتَدَلُّوا بِالْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي الْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ يَأْمُرُ بِمَا لَا يَفْعَلُهُ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى : ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ﴾ وقَوْله تَعَالَى : ﴿ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ ، وَبِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ﴿ مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي بِقَوْمٍ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ فَقُلْتُ : مَنْ أَنْتُمْ ؟ قَالُوا : كُنَّا نَأْمُرُ بِالْخَيْرِ وَلَا نَأْتِيهِ وَنَنْهَى عَنْ الشَّرِّ وَنَأْتِيهِ ﴾ ، وَبِمَا رُوِيَ ﴿ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ : عِظْ نَفْسَكَ فَإِنْ اتَّعَظَتْ فَعِظْ النَّاسَ وَإِلَّا فَاسْتَحِي مِنِّي ﴾ وَرُبَّمَا اسْتَدَلُّوا مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ أَنَّ تَقْوِيمَ الْغَيْرِ فَرْعُ الِاسْتِقَامَةِ وَالْإِصْلَاحُ زَكَاةٌ عَنْ نِصَابِ الصَّلَاحِ فَمَنْ لَيْسَ بِصَالِحٍ فِي نَفْسِهِ فَكَيْفَ يُصْلِحُ غَيْرَهُ وَمَتَى يَسْتَقِيمُ الظِّلُّ وَالْعُودُ أَعْوَجُ ؟ قَالَ : وَكُلُّ مَا ذَكَرُوهُ خَيَالَاتٌ ، وَالْحَقُّ أَنَّ عَلَى الْفَاسِقِ أَنْ يَأْمُرَ وَيَنْهَى إذْ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ الْعِصْمَةُ عَنْ الْمَعَاصِي كُلِّهَا ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ .
أَنْ يَأْمُرَ وَيَنْهَى حَتَّى يَكُونَ مَعْصُومًا فَقَدْ خَرَقَ الْإِجْمَاعَ وَحَسَمَ بَابَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ إذْ لَا عِصْمَةَ لِلصَّحَابَةِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ ، وَالْأَنْبِيَاءُ قَدْ اخْتَلَفُوا فِي عِصْمَتِهِمْ مِنْ الصَّغَائِرِ وَالْقُرْآنُ دَلَّ عَلَى نِسْبَةِ الْأَنْبِيَاءِ إلَى الْمَعْصِيَةِ وَالظُّلْمِ لِأَنْفُسِهِمْ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : إنْ لَمْ يَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ الْمُنْكَرِ إلَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ لَمْ يَأْمُرْ أَحَدٌ بِشَيْءٍ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ شَيْءٍ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَإِنْ