فصل لا يأخذ المرء حقه بنفسه من غيره
الجزء ٣٣ · صفحة ٢٤٨لَمْ تَعْلَمُوا بِهِ كُلِّهِ ، وَانْهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَإِنْ لَمْ تَنْتَهُوا عَنْهُ كُلِّهِ ، } قَالَ : وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا أَنَّ الِاحْتِسَابَ تَارَةً يَكُونُ بِالْوَعْظِ وَلَا يَنْفَعُ وَعْظُ مَنْ لَا يَتَّعِظُ عِنْدَ مَنْ عُلِمَ ذَلِكَ مِنْهُ ، وَيَكُونُ الِاحْتِسَابُ تَارَةً بِالْقَهْرِ وَالْمَنْعِ فَلَا حَجْرَ عَلَى فَاسِقٍ فِي إرَاقَةِ الْخَمْرِ وَكَسْرِ الْمَلَاهِي وَغَيْرِهَا إذَا قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ إغَاثَةُ الْمَظْلُومِ وَقَمْعُ الظَّالِمِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْمُنْكَرِ .
قُلْتُ : وَكَذَا آثَارُ التَّنَاصُحِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ أَخَاكَ الْمُسْلِمَ يَرَى عَيْبَكَ وَتَرَى عَيْبَهُ فَيَنْصَحُ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرَ فَدَلَّ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ النَّهْيُ عَنْ الْعَاصِي ، قَالَ : وَأَمَّا الْآيَاتُ وَالْأَخْبَارُ الَّتِي اسْتَدَلُّوا بِهَا فَإِنْكَارٌ عَلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ تَرْكُهُمْ الْمَعْرُوفَ وَارْتِكَابِهِمْ الْمُنْكَرَ لَا مِنْ حَيْثُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ لِأَنَّ أَمَرَهُمْ وَنَهْيَهُمْ دَلَّ عَلَى قُوَّةِ عِلْمِهِمْ ، وَعِقَابُ الْعَالِمِ التَّارِكِ أَشَدُّ ؛ لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ مَعَ قُوَّةِ عِلْمِهِ فَالْجَاهِلُ غَيْرُ مَعْذُورٍ فَكَيْفَ الْعَالِمُ الْعَالِمُ ، وقَوْله تَعَالَى : ﴿ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ ، الْمُرَادُ بِهِ الْوَعْدُ الْكَاذِبُ ، وقَوْله تَعَالَى : ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسُكُمْ ﴾ إنْكَارٌ مَنْ حَيْثُ إنَّهُمْ نَسُوا أَنْفُسَهُمْ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُمْ أَمَرُوا غَيْرَهُمْ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَدَلُّ عَلَى عِلْمِهِمْ وَأَقْوَى فِي تَأْكِيدِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ، وَقَوْلُهُ : ﴿ يَا ابْنَ مَرْيَمَ عِظْ نَفْسَكَ ﴾ الْحَدِيثُ هُوَ فِي الِاحْتِسَابِ بِالْوَعْظِ ، وَقَدْ سَلَّمْنَا أَنَّ وَعْظَ الْفَاسِقِ قَلِيلُ الْجَدْوَى سَاقِطُ الْقَبُولِ عِنْدَ مَنْ يَعْرِفُ فِسْقَهُ ، ثُمَّ قَوْلُهُ : وَإِلَّا فَاسْتَحِي مِنِّي لَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ وَعْظِ الْغَيْرِ بَلْ مَعْنَاهُ : لَا تَتْرُكْ مُهِمَّ نَفْسِكَ وَتَشْتَغِلْ بِمُهِمِّ غَيْرِكَ ، كَمَا يُقَالُ : احْفَظْ أَبَاكَ ، ثُمَّ أَخَاكَ وَإِلَّا فَاسْتَحِي ا هـ .
وَيَجِبُ عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَجَبَ