شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

باب في وجوب الخوف والرجاء

الجزء ٣٣ · صفحة ٣٦٢

( وَهَلَكَ ) ( مَنْ رَجَّحَ ) الْخَوْفَ أَوْ الرَّجَاءَ هَلَاكَ نِفَاقٍ ( وَإِنْ فِي حَالٍ لَا يَعْلَمُ لِنَفْسِهِ ذَنْبًا أَوْ فِي حَالِ مَعْصِيَةٍ ) يَخَافُ الْمَوْتَ عَلَيْهَا ، وَالْعِقَابَ عَلَيْهَا ، وَيَرْجُو الِانْقِلَاعَ وَالتَّوْفِيقَ لِلْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ فَيُثَابُ عَلَيْهَا ، وَعَلَى مَا سَبَقَ تِلْكَ الْمَعْصِيَةَ مِنْ الْعِبَادَةِ ( وَرُخِّصَ ) أَنْ لَا يَهْلِكَ ( مَا لَمْ يَنْعَرْ مِنْ أَحَدِهِمَا ) أَيْ : الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ ، لَكِنْ إذَا انْعَرَى مِنْ أَحَدِهِمَا لَمْ يَبْقَ اسْمُ الْآخَرِ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ خَوْفٌ لَمْ يَبْقَ رَجَاءٌ بَلْ أَمْنٌ ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ رَجَاءٌ لَمْ يَبْقَ خَوْفٌ بَلْ إيَاسٌ ، وَعَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ : إذَا اُحْتُضِرَ الْمُؤْمِنُ فَالْأَوْلَى أَنْ يَمِيلَ إلَى الرَّجَاءِ كَمَا قَالَ حُذَيْفَةُ عِنْدَ احْتِضَارِهِ : اللَّهُمَّ إنَّكَ أَمَرْتَنَا أَنْ نَعْدِلَ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ فَالْآنَ الرَّجَاءُ فِيكَ أَمْثَلُ .

قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ : يَا بُنَيَّ كُنْ ذَا قَلْبَيْنِ ، قَلْبٌ تَخَافُ اللَّهَ بِهِ خَوْفًا لَا يُخَالِطُهُ تَقْنِيطٌ ، وَقَلْبٌ تَرْجُو اللَّهَ بِهِ رَجَاءً لَا يُخَالِطُهُ تَغْرِيرٌ ، وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿ : لَوْ وُزِنَ خَوْفُ الْمُؤْمِنِ وَرَجَاؤُهُ بِمِيزَانٍ طريس - أَيْ مُحْكَمٍ - مَا زَادَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ ﴾ وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْعَقَبَاتِ : الْعَبْدُ إذَا كَانَ قَوِيًّا صَحِيحًا فَالْخَوْفُ أَوْلَى بِهِ ، وَإِذَا مَرِضَ وَضَعُفَ وَلَا سِيَّمَا مَنْ أَشْرَفَ عَلَى الْآخِرَةِ ، فَالرَّجَاءُ أَوْلَى بِهِ لِمَا رُوِيَ ﴿ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : أَنَا عِنْدَ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ مَخَافَتِي ﴾ فَيَصِيرُ رَجَاؤُهُمْ أَوْلَى فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِانْكِسَارِ قَلْبِهِ وَخَوْفِهِ الْمُتَقَدِّمِ مِنْ الصِّحَّةِ وَالْقُوَّةِ وَالْإِمْكَانِ .

وَلِذَلِكَ يُقَالُ لَهُمْ : ﴿ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾ وَإِنْ قُلْتَ أَلَيْسَتْ قَدْ جَاءَتْ الْأَخْبَارُ الْكَثِيرَةُ فِي حُسْنِ الظَّنِّ بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالتَّرْغِيبِ فِي ذَلِكَ ؟ فَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ حُسْنِ الظَّنِّ بِاَللَّهِ الْحَذَرَ مِنْ

١٦٬٣٦٢ / ١٧٬٤٣٨