60
الجزء ٥ · صفحة ٢٦٣« هو حظهم فى الدنيا يعطونه على إسلامهم » ﴿ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ ﴾ هى تكذيبهم بالإسراء ، حتى ارتد كثير من الناس أو قولهم : وُعدنا بالدخول ولم ندخل ، وهذا فى شأن الحديبية ، وتساخرهم بقوله : هذا مصرع فلان ، وهذا مصرع فلان ، وهذا فى شأن قتلى الكفار فى بدر ، وقتال معاوية عليًّا ، وقتل الحسين وعمار ، ووقعة الحرة ، وهذا فى غزو بنى أمية على المنبر فى الرؤيا .
﴿ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِى الْقُرْآنِ ﴾ عطف على الرؤيا ، أى وما جعلنا الرؤيا التى أريناك ، والشجرة الملعونة فى القرآن إِلا فتنة للناس ، وهى شجرة الزقوم ، لعنت فى قوله تعالى : ﴿ إِن شجرة الزقوم طعام الأثيم ﴾ إِلخ فلعنها إبعادها عن مقام الخير وأهله ، وإنباتها فى مقام الشر لأهله .
ويجوز أن يراد الملعون أهلها ، فحذف المضاف أو ذاك من المجاز العقلى ، وتقول العرب لكل طعام مكروه ضار : إِنه ملعون لكونه ضارًّا مكروهًا ، فيكون المراد بلعنها أنها طعام مكروه ، ووصفت بالملعونة لتشبيه طلعها برءوس الشياطين ، والشياطين ملعونون .
ومعنى الفتن بها أنه لما سمع الكفار ذلك قالوا : إن محمداً يزعم أن الحجيم تحرق الحجارة ، ثم يقول ينبت فيها الشجر ، وما نعرف الزقوم إِلا التمر بالزبد ، قال أبو حهل - لعنه الله - : يا جارية زقمينا ، فأحضرتهما ، فقال لأصحابه : تزقموا هذا هو ما يذكر محمد ، ولم يعلموا أن الله قادر على ذلك ، وأن الله أبرد النار على إبراهيم ولباسه الإكتافة ، وأنبت النبات فى تنور موسى المحمى ، وفى بلاد الترك دابة صغيرة تسمى السمندل لا تؤثر فيها النار حية أو ميتة ، ويتخذ من وبرها مناديل ، فإذا اتسخت ألقيت فى النار فيذهب الوسخ فتبقى سالمة . ويقال : فى بلاد الهند مكان بلاد الترك ، ويقال : طائر مكان دابة ، ويقال : السمندر بالراء مكان اللام ، والتعامة تبلغ الجمر وقطع الحديد المحماة ولا تضرها ، ولم يعلموا أن نبات النار من جنس النار ، والنار لا تحرق النار .
ومما يشبه ذلك أن البحر المالح ينبت حجارة المرجان ، واللحم والدم ينبتان الشعر ، وقيل : الشجرة الملعونة الشيطان ، وأبو جهل فرعون رسول الله A ، والحَكم وأبوه أبو العاصى الحَكم ، قالت عائشة رضى الله عنها : سمعت رسول الله A يقول لمروان : ﴿ الشجرة الملعونة أبوك وجدُّك ﴾ فهؤلاء لعنوا فى عموم ذم الكفار فى القرآن . وعن ابن عباس : أن الشجرة بنو أمية بن الحَكم بن أبى العاصى ، وأنه A رأى فى المنام بنى مروان يتداولون مقبره ، وقصها على أبى بكر وعمر فى خلوة بيت ، ثم سمع رسول الله A الحَكم يخبر بها ، فاشتد عليه ذلك واتهم عمر بالإفشاء ، ثم ظهر أن الحَكم تسمَّع إليهم ، واعترض بأن الرؤيا بالمدينة ، والسورة مكية والحكم فيها .
وروى أن عائشة قالت لمروان : لعن الله أباك وأنت فى صلبه فأنت أبغض مَن لعنه الله ، والفتنة على هذا أنهم طلبوا معجزة قاهرة ، فأجيبوا بأنه تعالى لم يقضها لهم ليتم أمر النبى A والمسلمين ، فلا يستأصلوا فقالوا : إنه A غير صادق ، فضاق قلبه وسلاّه بالآية ، وأنه لا يضعف أمرك بقولهم .
﴿ وَتُخَوِّفُهُمْ ﴾ من عقاب الله فى الدنيا والآخرة بالآيات المتلوَّات ، والمعجزات ، والآيات متضمنة لشجرة الزقوم ، ولم يقل : وخوفناهم لإفادة التكرار .
﴿ فَمَا يَزِيدُهُمْ ﴾ أى التخويف ﴿ إِلاّ طُغْيَانًا كَبِيرًا ﴾ طغيانًا مجاوزاً للحد .