54
الجزء ٥ · صفحة ٢٥٦﴿ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ ﴾ أيها المشركون ، العلم بعاقبتكم عند الله .
﴿ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ ﴾ بالتوفيق إلى التوبة والإسلام ، فتكونوا من أهل الجنة .
﴿ أَوْ إِنْ يَشأْ يُعَذِّبْكُمْ ﴾ بأن لا يوفقكم إِلى التوبة ، فتموتوا على الكفر ، والمعنى قولوا لهم إن يشأ الله يرحمكم ، أو قولوا إن يشأ يعذبكم فأو للتخيير فيما يقولون ، ويجوز أن تكون بمعنى الواو ، فيقولوا ذلك جميعاً ، وقيل للإضراب تهديداً ، ويجوز أن يكون قوله : ﴿ ربكم أعلم . . ﴾ إلخ ليس تمثيلا للتى هى أحسن ، بل مستأنف خطاب للمؤمنين ، إن يشأ يرحمكم بإنجائكم من الكفار بإملاكهم ، أو إلقاء الرعْب فى قلوبهم ، وإِن يشأ يعذبكم تسليطهم عليكم بالأذى كالقتل والنهب .
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً ﴾ رقيباً وكفيلا أن لا يعصوا ، أو موكولا إِليك أمرهم فتقهرهم على الإيمان ، بل أرسلناك مبشراً ونذيراً ، ومأموراً أنت وأصحابك بتحمل أذاهم ، ثم أمره الله بالقتال فقال : ﴿ يا أيها النبى جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ﴾ وقد يقال : المراد أنك لا تسمعهم الحق مع ختم الله على قلوبهم ، ولو بالجهاد كما قال الله D : ﴿ إن الله يُسمِع من يشاء وما أنت بمسمع مَن فى القبور ﴾ وهذا يقال به فهل القتل وبعده إلا القهر على الإيمان ، فإنه لا إكراه فى الدين ، فيؤمنوا بإرادتهم ، أو يقتلون .
وروى أن المشركين أفرطوا فى إيذاء المسلمين ، فشكوا إلى رسول الله A ، فنزل : ﴿ وقل لعبادى يقولوا التى هى أحسن ﴾ إلى ﴿ وكيلا ﴾ فالخطاب فى قوله D : ﴿ ربكم أعلم . . ﴾ إِلخ على هذا للمؤمنين على معنى الإنجاء من الكافر ، وعدم الإنجاء كما مر قريباً .
ويروى أن مشركاً شتم عمر فهم بضربه الضرب اللائق به ، أو هَمَّ به مجازاة ، فأمر فى العموم بالعفو ، فيكون سبباً آخر لنزول ﴿ وقل لعبادى يقولوا التى هى أحسن ﴾ على هذين السببين فى النزول أن يقال للشاتم سلام عليكم ، لا نبتغى الجاهلين ، أو هداك الله ، أو عفا الله عنك ، ويعنى هذه الشتمة فقط أو أصلح الله شأنك ، وقد مر جواز طلب الهداية أو يعنى بنحو ذلك كله أن الشاتم على غير صواب لا الدعاء له .