تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

60

الجزء ٥ · صفحة ٢٦٢

﴿ وَإِذْ قُلْنَا لَكَ ﴾ واذكر إِذ قلنا لك بالوحى ، أو بواسطة جبريل عليه السلام .

﴿ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ ﴾ علماً وقدرة لا يخرجون عما أراد ، ولا يعجزه شئ فبلِّغهم ما أوحى إليك ، ولا تخف؛ إن الله يعصمك من القتل ، ولو كانوا يؤذونك بألسنتهم ، والناس عام دخل فيه قريش ، أو أريد به خاص ، لأنهم المعاندون جدا الحاضرون أو أحاط بقريش أهلكهم يوم بدر ، أى سيهلكهم يوم بدر ، والآية مكية ، وذكر ذلك بالماضى لتحقيق الوقوع بعد ، كأنه وقع من قولك أحاط بهم العدو ، وكقوله تعالى : ﴿ وأحيط بثمره ﴾ وهذا تبشير له A .

﴿ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِى أَرَيْنَاكَ ﴾ فى المنام ، احتج بهذا مَن قال الإسراء فى المنام ، لا فى اليقظة ، وهو مذهب أصحابنا ، وقوم من غيرهم ، وقيل : اليقظة لمبالغة الكفار فى التكذيب ، ولو كان فى النوم لم يبالغوا تلك المبالغة ، وإطلاق الرؤيا على رؤية اليقظة وارد فى لغة العرب قال الراعى :

وكبر للرؤيا وهش فؤاده … بوبش عظيم كان جمائلا

وأيضا سماها رؤيا مشاكلة لتسميتهم إياها رؤيا وجرياناً على زعمهم كما سمى الأصنام آلهة ، وأيضاً يشبه ما فى المنام لكونه ليلا ، وللسرعة ، وخرق العادة حتى قال بعض مَن ضعف إيمانه للنبى A : لعل ذلك يا رسول الله فى النوم ، وحتى ارتد بعض من ضعف إِيمانه .

وقال بعض من قال الإسراء فى اليقظة أن الرؤيا هنا غير رؤية الإسراء ، بل رؤياه فى المنام عام الحديبية دخل مكة ، واعترض بأن الآية مكية والحديبية بعد الهجرة ، وأجيب بأنه رأى فى مكة أنه سيدخلها بعد الخروج عنها ، فحكى الرؤيا فى الحديبية ، ولم يدخلوها للعمرة التى قصدوها ، بل رجعوا على أن يدخلوها من قابل ، فافتتن بعض حتى قال عمر لأبى بكر رضى الله عنهما : قد أخبرنا رسول الله A أنا ندخل البيت ونطوف به ، فقال أبو بكر : لم يقل ندخله فى هذا العام وسندخل فى عام آخر ، ودخله من قال ، ونزل : ﴿ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ﴾ وقيل : هذه الرؤيا التى فى سورة الإسراء رآها فى مكة فى شأن وقعة بدر أنها تقع بعد الهجرة ، وسمع قريش ذلك فسخروا منه .

ويجوز أن يكون رأى فى المنام مصارع المشركين ، وهو فى بدر أو قريب منه ، فسمع المشركون الخارجون من مكة للقتال ، فسخروا منه ، قال : « ولله لكأنى أنظر إلى مصارع المشركين ، هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان » ولم يخطئ . وفى وقعة بدر نزل : ﴿ إذ يريكهم الله فى منامك قليلا ﴾ وقيل : هذه الرؤيا فى سورة الإسراء ، هى أنه رأى فى نومه قومًا من بنى أمية يرقون على منبره وينزون عليه نزو القردة فقال :

٢٬٢٦٢ / ٦٬٠٩٣