تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

70

الجزء ٥ · صفحة ٢٧٢

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى آدَمَ ﴾ بأشياء لم تجتمع للجن والملائكة وسائر الحيوانات ، كحسن الصورة ، قال الله D : ﴿ فأحسن صوركم ﴾ وقال فيهم : ﴿ فتبارك الله أحسن الخالقين ﴾ وقال : ﴿ لقد خلقا الإنسان فى أحسن تقويم ﴾ وكاعتدال المزاج لجعل قوتهم أطيب الأقوات ، وجعل لغيرهم ما دونه وما فضل منه ، وما خبث ، وكاعتدال القامة وانتصابها ، وكالتمييز بالعقل والإفهام بالنطق ، والإشارة باليد والعين والرأس ، والكتابة ، وبها يجتمع لمن تأخر علوم من تقدم ، قال الله جل وعلا : ﴿ اقرأ باسم ﴾ إلخ وقال : ﴿ ن ﴾ إلخ وعنه قيل : « أو أثارة » الخ .

وكالاهتداء إِلى أسباب المعاش والمعاد ، والتسلط على الأرض وحيوانها ، وما فيها كشرب ما بها ، والاغتسال به ، والحرث والغرس ، وأكل ثمارهما ، وسائر ثمارها ، وصيد برها وبحرها ، وسخر لكم البحر لتأكلوا إلخ ، وهوائها وهو من مواد الحياة ، ولولا الريح لأنتنت الأرض ، وبالنار وبالاستضاءة بها ، وبمعادنها وكتناول الطعام باليد . قال ابن عباس : كل حيوان يتناول طعامه بفيه إلا الإنسان فبيده ، ويصدر هذا من هر وقرد ، إِلا أنه لا فضيلة لأكلهما باليد ، لأنهما من ذوات الأربع ، إِذ يطآن الأرض بأيديهما ويمسحان القاذورات بها مع قلة أكل الهر بها ، وكتزين الرجال باللحى والنساء بالنواصى ، وعبارة بعض بالذوائب ، قيل : ويخلق أبيهم آدم بيده ، وبأن منهم خير أمة أخرجت للناس ، والتكريم جعل الشئ ذا شئ كريم ، أى شئ مستحسن ، ولا يعتبر فى مفهومه الإضافة إلى الغير ، بخلاف التفضيل .

﴿ وَحَمَلْنَاهُمْ فِى البَرِّ ﴾ على الدواب ﴿ وَالْبَحْرِ ﴾ على السفن ، وليس المراد عدم دخولهم فى الأرض والماء بالبقاء على ظهرهما ، لأن الحيوانات شاركتهم فى ذلك قبل .

﴿ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ﴾ مما يستلذ أكلا وشرباً ، ولبساً وركوبًا واقتناء ، وغير ذلك .

﴿ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾ قيل : بالتعريض لاكتساب ما فيه النجاة ، والزلفى بواسطة ما كرمناهم به ، ويشكروه ، وقيل : بالغلبة يلزم أن لا يكون أفضل من الجن والملائكة ، لأنهم لم يقولوا على الجن والملائكة ، فالكثير هم غير الجن والملائكة ، وقيل : بالشرف ، فغير الكثير الملائكة ، وهم أفضل من الإنسان ونسب لابن عباس والزجاج ، وقيل : غير الكثير خواص الملائكة فخواصهم أفضل من الإنسان ، والإنسان أفضل من سائرهم ، وخواصهم هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل ، وحملة العرش ، والذى يكون صفًّا وسائر الملائكة صفًّا .

وقيل : الناس أفضل من سائر الملائكة وغيرهم ، إلا أنه فسد من فسد بعد هذا بالمعاصى منهم ، فصيّع هذه الفضيلة ، وكثير على هذا بمعنى الكل ، كما يستعمل الأكثر بمعنى الكل ، قال الله D : ﴿ هل أنبئكم على من تنزَّل الشياطين ﴾ إلى ﴿ وأكثرهم كاذبون ﴾ وقوله : ﴿ أكثرهم بهم مؤمنون ﴾

٢٬٢٧٢ / ٦٬٠٩٣