64
الجزء ٥ · صفحة ٢٦٧﴿ وَاسْتَفْزِزْ ﴾ استخفف ، أى احملهم على الخفة ، وأزعجهم ، والأمر تهديد وكذا باقى هذه الأوامر ، كما يأتى ، ويبعد أن يكون لتعجيزه عن أن ينقص شيئًا من ملك الله D كما يأتى .
﴿ مَنِ اسْتَطَعْتَ ﴾ أن تستفزه ﴿ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ ﴾ بدعائك إلى المعصية ، كما قال ابن عباس رضى الله عنهما : وهو الوسوسة تارة ، والنطق أُخرى ، والغالب الأول وهو مجاز ، وفى الثانى الجمع بينه وبين الحقيقة ، وعبارة بعض بصوتك بدعائك بالغناء والمزامير ، وكل ما يوصل إِلى المعصية ، وعبارة بعض الغناء واللهو واللعب ، أسكن آدم أولاد هابيل فى حبل وأولاد قابيل تحته وفيهم بنات حسان فزمر الشيطان تحته ، فانحدر أولاد هابيل إِليهم لذة ذلك الصوت ، فافترقوا ، أول الأمر للتهديد كقولك : احتهد جهدك ، فسترى ما ينزل بك ويبعد أن يكون لتعجيزه عن أن ينقص شيئًا من ملك الله D وكذا الأوامر الأربعة بعد هذا فى قوله :
﴿ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِى الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ ﴾ ومعنى أجلب صِح ، والجلبة : الصوت ، أى سقهم وتصرف فيهم بكل ما تريد ، وخيلك الركاب كقوله A : « يا خيل الله اركبى » إلا أن الآية تحتمل تقدير المضاف ، أى برجال خيلك ، كما جاز أن الخيل عبارة عن الركاب مجازاً مرسلا لعلاقة الجوار ، وهذا متعين فى الحديث الخيل بمعنى الركاب ولا يقدر ركاب خيل لأنه قال اركبى ، ولم يقل اركبوا .
وفيه مجاز عقلى أسند الركوب للخيل ، لأنها آلة للركوب ، وللجواز ويجوز أن يكون أجلب بمعنى جلب ، أى جمع لوروده كذلك ، فتكون الباء صلة فى المفعول به ، والخيل اسم جمع لا مفرد له ، ولو قيل مفرده خائل ، وقال الأخفش فى مثله إنه جمع مثل صحب وركب وطير ، والرجال خيالة ، وهم راكبوها ، والرجل جمع راجل أو اسم جمع له كما مر فى صحب ونحوه وهو الماشى على رجله ، أى صِح عليهم بكل من تحت يدك من راكب وماش فى معصية أو اجمعهم عليهم .
ولا يخفى أنا لمراد بخيلك ورجلك ، الكناية عن الأعوان لا حقيقة الراكب والماشى ، ولو كان من الجائز أن يكون له جند بعضه راكب وبعضه ماش ، وجند إِبليس يومئذ من الجن .
ويجوز أن يراد منهم ومن الإنس ، لعلم الله بأنه سيكون ذلك ، قال ابن عباس : له خيل ورجل من الجن والإنس ، فمن قائل فى معصية راجلا أو راكبًا ، فهو من جنده ، ويجوز أن يكون قوله : ﴿ واستفزز من استطعت منهم بصوتك ، وأجلب ﴾ إلخ استعارة تمثيلية بأن شبه حرص الشيطان فى الإغواء ، وأعماله بهذه فيه بحرص من حرص على الإغارة على الناس ، وجمعه لها ، ومعنى المشاركة فى الأموال أن يحملهم على كسبها من الحرام ، ومنع حقها ، وصرفها فى الحرام ، كالزنى والفُجر والذبح للأصنام ، وكسب السوائب والبحائر وتضييعها .