72
الجزء ٥ · صفحة ٢٧٦﴿ وَمَنْ كَانَ فِى هذِهِ ﴾ أى فى هذه الدار الأولى ، وهى الدنيا ﴿ أَعْمَى ﴾ صفة مشبهة كأحمر وأبيض ، أى عمى القلب ، لا يبصر رشده .
﴿ فَهُوَ فِى الآخِرَةِ أَعْمَى ﴾ كأعمى البصر ، لا يجد اتفاء المضر ، فهو فى الآخرة هالك مضرور بالعذاب والنار ، كأعمى يمشى ولا يدرى أى مسلك هو فإنه يصادم الحائط ، ويقع فى الهوة ، وعلى الشوك ، وبين يدى سبع ، وعلى ما يكره ، وهذا كقوله تعالى : ﴿ وأما من أوتى كتابه بشماله ﴾ فهو مقابل لقوله تعالى قبل هذا : ﴿ فأما من أوتى كتابه بيمينه ﴾ إلخ أو المعنى لا يجد سبيلا لنجاة ، ولما أنزلت الآية قال ابن أم مكتوم - وهو أعمى - لرسول الله A : === فى الآخرة أعمى ، فأنزل الله تعالى : ﴿ فإنها لا تعمى الأبصار ﴾ إلخ .
وقيل : الأعمى أعمى البصر فى الآخرة عقوبة لهم لقوله تعالى : ﴿ ونحشره يوم القيامة أعمى ﴾ إلخ ونحشرهم يوم القيامة إلخ ، وقيل : أعمى اسم تفضيل ولو كان من العيوب ، لأنه من عيوب الباطل فلا يمتنع صوغ اسم التفضيل فيه نحو أحمق وأبله ، ولذلك قيل لم يمله أبو عمر ويعقوب ، لأن ألفه فى الوسط بمن التفضيلية ، بخلاف ما إذا كان صفة مشبهة ، فليست من التفضيلية مقدرة بعده ، ولا تسلم ما قيل : إن الإمالة لا تحسن وسطاً ، بل حسنت وكثرت ، كما فى كتب النحو والتصريف ، وعلم القراءة ، وقد أمال أعمى فى موضعين حمزة والكسائى وأبو بكر ، وقرأ ورش بين بين ، ولو كانت المتطرفة أولى بالإمالة ، لأنها تقلب فى التثنية ياء ، وأيضا من التفضيلية كلمة أخرى ، فلا يعتبرها ما بعدها وسطاً .
﴿ وَأَضَلُّ ﴾ فيها ﴿ سَبِيلا ﴾ منه فى الدنيا ، لأنه فيها يمكنه الاهتداء بخلافه فى الآخرة ، وممن هو أعمى وأضل فى الآخرة منه فى الدنيا ، من لم يتب من ثقيف وقريش النازل فيهم قوله تعالى :
﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِى عَلَيْنَا غَيْرَهُ ﴾ مما لا يجوز كما طلبوه ، أما ثقيف فقالوا إذا وفدوا إلى رسول الله A من الطائف ، لا ندخل فى دينك حتى تعطينا خصالا نفتخر بها على العرب ، لا نعطى زكاة الحبوب ، ولا تذهب بنا للقتال ، ونصلى بلا ركوع ولا سجود ، ونأخذ ما لنا من الربا على غيرنا ، ولا نعطى ما علينا من الربا ، وأن تخلينا واللات وسائر أصنامنا سنة ، وإِذا تمت لم نهدمها بأنفسنا ، وأن لا يقطع أحد من وادينا شجراً ولا نباتاً كالحرم ، وإن قالت العرب لِمَه؟ فقل : الله أمرنى بذلك .
وفى رواية من ذلك : شرطوا أن لا نصلى ، وفى أخرى إِذا تمت السنة مسرنا الأصنام بأيدينا ، وفى أخرى أن تمتعنا باللات سنة من غير أن نعبدها لنأخذ ما يهدى إليها ، ولما قالوا : لا نركع ولا نسجد ، أو لا نصلى ، قال :