28
الجزء ٥ · صفحة ٣٥٦﴿ وَاصْبِرْ ﴾ احسب ﴿ نَفْسَكَ ﴾ ولو أبت ﴿ مَعَ الذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ﴾ يعبدونه مطلقاً ، أو يسألونه حوائجهم ، أو يصلون الخمس ، أو يقرءون القرآن أو يذكرون الحلال والحرام ، روايات من السلف وأضعفها الأخير ، والصحيح الأول .
﴿ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِىِّ ﴾ عبارة عن إكثار الدعاء لا خصوص الوقتين ، أو الغداة من الفجر إلى الزوال تسمية للكل باسم الجزء ، والعشى بمعنى المساء ، أو الغداة صلة الفجر يصلونها ، والعشى وقت الظهر والعصر يصلونهما ، ويستثنى بالسنة الصلاة عند الغروب ، والتوسط والطلوع ، فيعبدون فيهن بغير الصلاة أو يسألون حوائجهم .
﴿ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾ يريدون الله أو الوجه بمعنى الرضا والطاعة ، لأن من رضيت عنه تقبل إِليه بوجهك ، وقيل : بمعنى التوجه ، أى التوجه إليه ، وعلى كل لا رياء ، وسلف قومنا يجعلونه وجهًا حقيقيًا بلا كيف ، فضلوا ولم تغنهم البلسكفة ، وبعض سلفهم توقف .
﴿ وَلاَ تَعْدُ ﴾ عدا يتعدى بنفسه ، وعداه بعض لتضمن بنت عينه عنه تنبو بمعنى احتقره ولو جالسه ، فاختاب لفظ تعد ليفيد أيضا معنى المباعدة ، مع الاحتقار ، ويجوز كونه من المتعدى فيقدر المفعول به أى لا تصرف عيناك عنهم النظر .
﴿ عَيْنَكَ عَنْهُمْ ﴾ نهى الله D عينى النبى A عن مجاوزتهم ، والإعراض عنهم بتركهم بلا بدل أو ببدل ، والمراد نهيه هو عن أن يحتقر فقراء المسلمين ، كعمار وسلمان ، وصهيب ، وابن مسعود ، وبلال ، لفقرهم ورثة ثيابهم ونحو ذلك من أمور الدنيا التى لا تقدح فى الدين .
كما روى أن أمية بن خلف ونحو من كبار قريش ، وعيينة والأقرع من المؤلفة قالوا : اطرد هؤلاء الفقراء لضعفهم واتساخ ثيابهم نجالسك ، وننقل عنك ، فنزلت الآية ، لكن أمية فى مكة والمؤلفة فى المدينة ، والصحيح أن السورة مكية ، وقيل : إلا هذه الآية ، وقيل : السورة مدنية ، وقيل : مكية ، إلا أولها إلى جُرُرًا .
ولما نزلت الآية قام رسول الله A يلتمسهم فوجدهم فى مؤخر المسجد يذكرون الله تعالى فقال : « الحمد لله الذى لم يمتنى حتى أمرنى أن أصبر نفسى مع رجال من أمتى ، معكم المحيا والممات » وهذا دليل المدينة .
﴿ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ أى زينتها الموجودة عند كفار رؤساء قومك وما وجد فى المسلمين منها فجالسه الله D لا لهما ، والجملة حال من الكاف المضاف إليها ، لأن المضاف جزء من المضاف إليه هنا ، ولأنه يقوم مقامه ، كما تقول : لا تعد أى أنت وهذه الحال جاءت على مقتضى طبع النفس بمعنى أنه لو عَدَتهم عيناك لكان ذلك لحالهم الرثة ، وذلك مقتضى المقام .
والقصد أن لا تعدو عنهم مطلقًا ، تريد زينة الحياة الدنيا ، أو لم تردها إِلا أن قومه قالوا له : اطرد الفقراء عنك ، ومن لا شأن له نؤمن بك ونجالسك نحن زيادة على شرطهم الأول ، وهو إن أخبرهم بقصة أهل الكهف ، وذى القرنين ، آمنوا فأنزل :