تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

30

الجزء ٥ · صفحة ٣٦١

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ وقوله : ﴿ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً ﴾ خبر ، لإن الأولى والرابط من فهو من وضع الظاهر موضع المضمر ، على أن المراد بمن أحسن عملا هو الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، ولا يمنع هذا تنكير العمل ، فإنه للتعظيم اعتبر وضع الظاهر موضعه على وجه التعظيم ، وإن أريد بالأول الخصوص ، وبالثانى العموم ، كان الرابط العموم أو بالعكس فالرابط محذوف أى من أحسن منهم عملا ، أو هذه الجملة معترضة ، فيكون خبر إن الأولى قوله :

﴿ أُولئكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ ﴾ وإِذا جعلنا الخبر هو إنا لا نضيع كانت هذه مستأنفة أو خبراً ثانيًا لإن الأولى ، والعدن الإقامة ومنه المعدن لإقامة الجواهر فيه ، العمل الصالح هو إحسان العمل أو إحسان العمل قيد فى العمل الصالح لأن الإنسان قد يعمل صالحًا ، ولا يحسنه ، وعلى وضع الظاهر موضع المضمر ، فالإحسان مراد فى آمنوا وعملوا الصالحات ، وعلى غيره يكون الإحسان الذى هو أن تعبد الله كأنك تراه ، فتكون لآية فى نوع من المؤمنين .

﴿ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهِمْ الأَنْهَارُ ﴾ خبر ثالث ، أو مستأنف أو نعت جنات ، أى من تحت غرفهم كما قال جل وعلا : ﴿ وهم فى الغرفات آمنون ﴾ ﴿ يُحلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ ﴾ خبر رابع أو مستأنف ، أو تحت جنات ، والمفعول الثانىمحذوف منعوت بمن أساور ، أى يحلون فيها حليا من أساور ، ومن هذه للتبعيض من هذا المحذوف ، أو بيان له ، ويجوز أن يكون متعديًا لواحد فقط بمعنى يعطون حليًا ، فتكون من للابتداء ، ومن ذهب نعت لأساور ، أو بيان لأساور ، أو تبعيض له يتعلق بمحذوف نعت أساور ، والمفرد اسورة وأسورة جمع سوار ، وقال أبو عبيدة : جمع أسوار بحذف الألف بعد الواو ، ولو اعتبرت لقيل أساوير بالباء ، أو حذفت من أساوير الياء .

قال أبو عمرو بن العلاء : سوار مفرد لا جمع ، وجمعه أساور بحذف ألف المفرد ، وكذا قال قطرب وأبو عبيدة ، وتنكير أساور وذهب للتعظيم ، والسوار حلقة تلبس فى اليد أو فى الزند ، وكان الملوك يتزينون فى أيديهم ، ويتوجون فى رءوسهم فى الدنيا ، وتزين بها الأطفال الذكور أيضا فلا عيب فى لبس أهل الجنة لها ، بل جعلها الله لهم زينة يحبونها ، ولو كانوا لا يحبونها فى الدنيا طبعًا ، ولكل واحد من أهل الجنة ثلاثة أسورة ، واحدة من ذهب كما فى هذه الآية ، والثانية من الفضة لقوله تعالى : ﴿ وحلّوا أساور من فضة ﴾ والثالثة من اللؤلؤ لقوله تعالى : ﴿ ولؤلؤاً ولباسهم فيها حرير ﴾ أو لبعضهم من ذهب ، ولبعض من فضة ، ولبعض من اللؤلؤ ، بحسب أعمالهم ، وأكثر التسوير فى الدنيا النساء ، ويشترك به النساء والرجال فى الآخرة والأصل دستاور لفظ عجمى تصرفت فيه العرب ، فقالوا سورت الجارية ، وقالوا : سوار بحذف الف دست ، ورائه وهائه وتائه وداله ، والصحيح أنه عربى وقيل : معرب دستواره .

٢٬٣٦١ / ٦٬٠٩٣