تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

79

الجزء ٦ · صفحة ٢٤٦

فقد بين A أن المجتهد يصيب ويخطىء وفى الآية إلى قوله : « ففهمناها سليمان وكلا آيتنا حماً وعلماً » مدح لسليمان بأنه فهم ما لم يفهم أبوه ، وإن المجتهد معذور خطئة ، وأن حكمه علم لو أخطأ .

﴿ وكلا ﴾ منهما ﴿ آتينا حُكماً عِلماً كثيراً ﴾ فى الجملة ، وأما فى هذه المسألة فالعلم لسليمان ، وقد يقال : حكم داود فيها حق أيضا إذ كل المجتهد فى الفروع مصيب عند الله ، بمعنى أن الله D أباح حكمة وعذره وأثابه ، ولو لم يوافق الحق عنده ، أو بمعنى أن الحق عند الله ما يحكم به الحكام ، ولو تناقضت أحكامهم فى مسألة واحدة ، ولا حكم اله غير أحكامهم فضلا عن أن يقال : وافق الحكم ما عنده أو لم يوافق ، وهو الذى خلقها منهم على كل حال ، وإذا عين الوحى واحدا تعين فى العمل به ، وترك غيره كحكم داود .

وعن مجاهد : ما لسليمان صلح ، وما لداود حكم ، والصلح خير ، وذكر الجصاص أنهم ضمنوا لأنهم أرسلوا الغنم ، وإنما اثيب المخطىء على اجتهاده ، لا على خطئه ، ولفظ البخارى ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، عن رسول الله A : « إذا حكم الحاكم فاجتهد فاصاب فله أجران إذا حكم فاجتهد فأخطأ أجر » وفى البخارى ومسلم عن أبى هريرة عن رسول الله A : « كانت أمرأتان معهما ابناهما فجاء الذئب فذهب بابن أحداهما فقالت لصاحبتها : فقضى به للكبرى ، فخرجتا على سليمان بن داود فأخبرتاه فقال : إيتونى بالسكين أشقه بينكما ، فقالت الصغرى : ولا تفعل رحمك الله هو ابنها ، فقضى به للصغرى » أى لشفقتها عليه .

﴿ وسخَّرنا مع داودَ الجبال يسبِّحْن ﴾ إذ سبح يقلن سبحان الله ويسمعها داود ، وقيل وغيره أيضا كما سبح الحصا فى يد رسول الله A تسبيحاً سمعه هو وغيره من الصحابة ، وألقاهن فى يد صحابى فسبَّحن ، وفى يد آخر كذلك ، وهو أعظم لأنهن سبَّحن بلا تسبيح منه ، وسبحن ببركته فى يد غيره ، وقيل : تسبيح الجبال صوت يسمع من جانبها ، وليس فى ذلك من الكرامة ما فى تسبيحها مع أنه خلاف الظاهر ، وقيل : يسبحن بلسان الحال ، ولا كرامة فيه وقيل يسبحن يسرن فيحملن من رآها على التسبيح ، ولا دليل على هؤلاء الأقوال ، وهن خلاف المتبادر ، والتفسير الأول هو الصحيح ، وقوله D : ﴿ يا جبال أوبى معه والطير ﴾ يخالف التفسير بلسان الحال ، وتفسير بعض الصَّدا والتفسير بالسير ، والجملة حال من الجبال أو مستأنفة ، ومع متعلق بسخر أو يسبح ﴿ والطيَّر ﴾ عطف على الجبال أو مفعول معه تسبح كما تسبح الجبال ﴿ وكنا فاعلين ﴾ من شأننا أن نفعل ما يستعظم ويستغرب لكمال قدرته .

٢٬٧٤٦ / ٦٬٠٩٣